الرد على الإعلان الأمريكي


آخر تحديث: December 11, 2017, 11:58 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

كالعادة, وإزاء المواقف العدائية الإسرائيلية أو الأمريكية تجاه الشعب الفلسطيني, حيث تتباين المواقف وردود الأفعال, خاصة بين المستويين الشعبي والرسمي, الفلسطيني والعربي, فأنه وإزاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القدس عاصمة لدولة إسرائيل, لوحظ أن الموقف الرسمي الفلسطيني جاء في أضيق الحدود, أو انه جاء "منضبطا" كذلك حرصت العواصم العربية, خاصة في كل من عمان, القاهرة, والرياض, على عدم الذهاب بعيدا لا في شجب الإعلان, ولا في التهديد باتخاذ قرارات أو مواقف تمس المصالح الأمريكية .
الموقف الرسمي الفلسطيني اكتفى بالقول بأن الولايات المتحدة لم تعد راعيا للمفاوضات أو للعملية السياسية, وهي تعلم جيدا بأن العملية السياسية بالرعاية الأمريكية متوقفة منذ عام 2014, وأن إطلاقها في ظل إدارة ترامب, يعني فرض الاستسلام على الجانب الفلسطيني, لأن سقف العملية لن يتعدى الإطار الذي يريده الجانب الأسرائيلي بموقفه المتطرف الناجم عن شراكة البيت اليهودي والليكود, والمسنود من المستوطنين والاحتلال, والذي بات يقول علنا, بأنه لا دولة فلسطينية غربي نهر الأردن, ولا تفكيك لأية مستوطنة ولا تقسيم للقدس_ خاصة بعد أن اعترفت بها واشنطن عاصمة لإسرائيل_ ولا عودة للاجئين حتى للضفة الغربية, أما العواصم العربية فقد لجأت إلى الصمت, واكتفت بالإعلان عن اجتماع لجامعة الدول العربية, وآخر لمنظمة المؤتمر الإسلامي .
لم تهدد السلطة الفلسطينية ولا حتى م ت ف بحل سلطة الحكم الذاتي, ولا بالإعلان عن التوقف عن التنسيق الأمني, ولا باعتبار اتفاق أوسلو, الذي اعتبر ملف القدس واحدا من ملفات الحل النهائي, ولا باعتبار أن السفارة الأمريكية في القدس ستكون موقعا إحتلاليا, ولا بقطع العلاقات مع واشنطن, كذلك لم تعلن عمان أو القاهرة عن طرد سفيرها الأسرائيلي أو الإعلان عن إسقاط اتفاقيتي وادي عربة أو كامب ديفيد, ولا عن استدعاء سفيريهما في واشنطن أو حتى إسرائيل, كذلك لم تعلن أية عاصمة عربية عن أي موقف أو قرار من شأنه التأثير على المصالح الأمريكية في المنطقة, ولا بأي شكل أو حال, وتعاملت مع الإعلان الأمريكي, كما لو كان خبرا إعلاميا عابرا.  
فقط لم يرد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على دعوة ترامب لزيارة واشنطن, والتي تعني بان الرئيس الأمريكي, يسعى لأن يوجه ضربة قاضية لكل ردود الأفعال المحتملة, في حال قام عباس بالموافقة على هذه الزيارة, ولأن عباس لم يرد, فقد اتبعت واشنطن الدعوة بإعلان آخر مفاده أن الرجل الذي يعتبر صديق اليمين الأسرائيلي الكبير في البيت الأبيض, الذي ضغط بقوة على ترامب لاتخاذ قراره آنف الذكر, مايك بنس, سيقوم بزيارة للمنطقة آخر الشهر الحالي, حيث أرادت واشنطن أن تحرج رام الله, وأن توحي بأنها مهتمة كما أدعت في سياق تبريرها للإعلان سيء الصيت والسمعة, والذي جاء بعد مئة عام على وعد بلفور, كما لو كان مكملا له, بإطلاق العملية السياسية والتوصل لحل لملف الصراع الفلسطيني/الأسرائيلي . 
رام الله اضطرت للإعلان عن رفضها استقبال بنس, حيث أن واشنطن وتل أبيب لاحقا وحين تهدأ ردود الفعل على إعلان البيت البيض, اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل, ستروّج للقول بأن السلطة هي التي تعطل إطلاق المفاوضات, وهي التي تعيق التوصل للحل !
الخطوة الرسمية الوحيدة حتى الآن, تمثلت في لقاء عباس مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي, في نفس اليوم الذي جاء فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لزيارة القاهرة, بحيث يبدو أن اللقاء جاء للاستعانة بموسكو لمواجهة الهجوم الأمريكي السياسي على السلطة الفلسطينية . 
ولأن القدس ليست قضية فلسطينية أو عربية فقط, بل تثير مشاعر المسلمين بعددهم الذي يبلغ المليار ونصف, فباستثناء الموقف التركي الرسمي, الذي اكتفى بالقول ودعوة منظمة المؤتمر الإسلامي, مع أن تركيا عضو بحلف الناتو, كذلك لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل, ولم ترتفع عقيرة إيران أيضا بالشيء المهم, ولا قال حزب الله بأنه سيعتبر السفارة الأمريكية في القدس عملا عدوانيا, وأنها ستكون هدفا للصواريخ مثلا, أي أن المواقف الرسمية إزاء الإعلان الأمريكي, جاءت في منتهى الضعف, وليست بذات قيمة سياسية أو دبلوماسية تذكر, فلم يتخذ احد قرارا, مثلا, بمقاطعة البضائع الأمريكية أو بإعلان التضامن مع كوريا الشمالية وفنزويلا وإيران, وكل من تناصبه واشنطن العداء, ولم تعلن الرياض مثلا, عن التراجع عن المضي في إنشاء التحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران, أو عن عدم التعامل مع ما تعده واشنطن من صفقة القرن, كما لم تعلن دولة عربية لديها قواعد عسكرية أمريكة عن طردها.  
أما على الصعيد الشعبي, وحيث أنه معروف أن الرد الشعبي وعلى عكس الرسمي, الذي يبدأ من أعلى نقطة ثم تهبط, حيث الرد الشعبي يكون مثل كرة الثلج, إذا ما تواصل فإنه يتصاعد, فقد هب عشرات الآلاف في قطاع غزة والضفة الغربية, كذلك في عمان وتركيا والجزائر, للاحتجاج, وفي الأرض الفلسطينية للاصطدام مع قوات الاحتلال ومواجهتها, حتى إذا جاء يوم الجمعة امتدت الاحتجاجات في كل مكان وتواصلت يومي السبت والأحد, وما زالت تتواصل . 
ما زال الفاصل بتقديرنا هو بين أن يمر الإعلان بردة فعل عابرة, وبين أن تنجم عنه سياسات ومواقف إستراتيجية, من مثل التحول من الممر السياسي إلى ميدان المواجهة, خاصة على الجانب الفلسطيني, ومن تصعيد الموقف الرسمي الفلسطيني في الأروقة الدولية, وبدء طرح الملف على الأمم المتحدة وعلى التجمعات الإقليمية, والخروج من المعطف الأمريكي فعلا وليس قولا فقط, ثم بدء الإعلان عن الحق الفلسطيني في المقاومة بكل أشكالها, واستهداف كل المواقع الأحتلالية بما في ذلك مقر السفارة الأمريكية في القدس, حين تتم إقامته, وان 3 أو 4 سنوات, ستتضمن كل أشكال الكفاح ضد الانحياز الأمريكي إلى جانب اليمين المتطرف والاحتلال الأسرائيلي وليس إلى جانب إسرائيل فقط, كذلك الإعلان عن أن صفقة القرن لن تمر, وان فلسطين, العضو المراقب في الأمم المتحدة ستقوم بمواجهة الإعلان الأمريكي في كل مكان, وفي المحافل الدولية, باعتباره إعلانا يخرق القانون الدولي, ويشد على يد الاحتلال .