أمريكا دولة عدو


آخر تحديث: December 8, 2017, 5:36 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

قبل أن يكمل الرئيس الأمريكي الخامس والأربعون عامه الأول, في البيت, قام بإطلاق قنبلة نووية سياسية, قد لا يقل فعلها وتأثيرها اللاحق عما فعلته قنابل بلاده النووية التي قامت بإطلاقها على هيروشيما وناجازاكي, في نهاية الحرب العالمية الثانية, ومازالت رغم مرور أكثر من سبعين عاما, وصمة عار في جبين تلك الدولة, التي جرّت العالم بعد ذلك طوال نصف قرن إلى حرب باردة, وحروب إقليمية كانت وبالا على البشرية بأسرها, بهدف إحباط تطلع الشعوب إلى التحرر من الاستعمار, ثم هاهي تقود العالم منفردة إلى عصر غير مسبوق من تمركز الثروة العالمية بيد أفراد قلائل يملكون عشرات مليارات الدولارات, مقابل مليارات البشر من الكادحين والفقراء الذين لا يملكون قوتهم اليومي, وكانت سببا في نشر الفوضى والإرهاب في غير مكان حتى اللحظة .
هذا الرئيس الذي فيه من الصلف والجلافة والعنجهية الشيء الكثير, يعبر عن وجه قبيح جدا للولايات المتحدة, يحاول الكثير من الناس أن ينسوه, لكن عبثا, ذلك أنه الوجه الحقيقي, لدولة لا تقيم وزنا إلا للقوة والقهر, فهي لا تناصر إلا الطغاة والمحتلين, والخارجين عن القانون والأخلاق الدولية, وهو منذ أن دخل البيت الأبيض, لا يفعل شيئا سوى أن يزيد التوتر في العالم, لا يفكر لحظة, في أن سياساته الخارجية يمكن أن تطلق حربا نووية, تحرق الكرة الأرضية بأسرها . 
ومنذ أن دخل البيت الأبيض, وهو يزيد من التوتر مع كوريا الشمالية وإيران, ولا يكفّ عن نهب المليارات من الشرق الأوسط, كما لو كان ما يزال تاجر العقارات إياه, الذي جمع ملياراته بكل ما لا يخطر على بال, وكأنه يشارك في فيلم خيال علمي, من الأفلام الأمريكية التي تفتقر لأي منطق, ولا هم لها سوى بث الرعب في قلوب البشر . 
بقراره دونا عن كل دول العالم, الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل, يكون الرجل قد وضع حدا, لسياسة ضبط النفس والتحلي بالصبر, ومعادلة التطرف وعدم المسؤولية المترتبة على كون الولايات المتحدة دولة عظمى, يقع على عاتقها الكثير من المسؤولية تجاه العالم وصراعاته ومشاكله العديدة, وهذا ما فعله ثلاثة رؤساء كانوا قد سبقوه بالجلوس في البيت الأبيض, بولايتين لكل واحد منهم, بمن فيهم الجمهوري جورج بوش الابن, وحتى هو نفسه, كان فعل قبل ستة أشهر الأمر ذاته, لكنه لم يصبر هذه المرة, وقام بإطلاق القنبلة, التي ستزيد ليس نار الشرق الأوسط اشتعالا وحسب, بل وكل النيران المشتعلة في كل العالم . 
خلال عامه الأول لم يحقق الرجل أي أنجاز يذكر, بل هو حتى ورغم كل التصريحات والإعلانات لم ينجح في تحديد تصور لحل جوهر الصراع في الشرق الأوسط, الناجم عن الاحتلال الأسرائيلي لأرض دولة فلسطين, لذا فهو كما لو كان ما يزال مرشحا رئاسيا, لا يقوى إلا على القيام "بالأكشن" الذي يبدو أنه يعشقه, حيث كان يتطلع لأن يكون احد نجوم "المصارعة" الأمريكية . 
يبدو أن ترامب يفكر مبكرا بولايته الثانية, ويدرك بأنه عاجز عن أن يضمن فوزه بها, لإدراكه بأنه رئيس غير كفء أو غير مؤهل أصلا ليكون رئيسا, وأن وصوله للبيت الأبيض, جاء بحيلة من الروس, الذين كان من مصلحتهم إيصاله لذلك المنصب, ليكون سببا في عودة كراهية العالم بأسره لبلاده, وليس هناك من ضمانة غير اللوبي اليهودي, الذي سيتذكر له قراره هذا, بعد ثلاث سنوات . 
في الحقيقة, وبعيدا عن حالة الغضب, التي ستعم في كل مكان, خاصة في الأرض الفلسطينية المحتلة, فان القرار الرئاسي الأمريكي, الذي يجيء متزامنا مع جملة قرارات إن كان من الكونغرس الذي قرر وقف المساعدة المالية للسلطة الفلسطينية أو الخارجية التي تفكر في إغلاق مكتب م ت ف في واشنطن, فإن هذه القرارات تعبر عن سياسة  الولايات المتحدة العدائية جدا تجاه الشعب الفلسطيني, وهي بذلك تغلق أولا أبواب الحل عبر المفاوضات, وتخرج واشنطن من موقع الراعي لها, وبتقديرنا سينقلب السحر على الساحر, فواشنطن بطاقم البيت الأبيض الحالي تظن أنها بهذا الضغط على القيادة الفلسطينية ستفرض عليها الحل الذي يريده بنيامين نتنياهو, أي الاستسلام, لكنها سرعان ما ستدرك بأن هذا القرار بالذات قد تسبب في قتل"صفقة القرن" قبل عرضها, حيث لن يجرؤ احد على طرحها على الجانب الفلسطيني, فضلا عن توقع القبول بها .
وفيما يبدو أنه في الوقت الذي وصلت فيه الحرب في سوريا بدحر داعش إلى نهايتها, وكذلك بوصول الحرب في اليمن للفصل الأخير, فإن النيران المشتعلة في الشرق الأوسط ستبرد, لذا سارعت إسرائيل, على عكس المرة السابقة, بعدم الطلب من ترامب بتعليق قرار الكونغرس المتخذ منذ عام 1995, حتى تشعل النار مجددا, وتبقى المنطقة في حالة غليان واستنزاف, لتبقى السيطرة الإسرائيلية/الأمريكية جاثمة على مقدراتها . 
مع كل ذلك نقول, إنه ورغم النتائج الكارثية المترتبة على القرار الرئاسي الأمريكي, إلا أن مآله ليس مرهونا بالولايات المتحدة, التي هي أصلا تتراجع في مكانتها الدولية, بل مرهون برد فعل الشارع الشعبي الفلسطيني أولا, والشارع الشعبي العربي ثانيا, ثم ملايين المسلمين في كل مكان, فالقرار الأمريكي لا يغير من حقيقة كون القدس مدينة محتلة, وسيكون مثله مثل القرار الأسرائيلي بضمها والمتخذ عام 1980, وبحقيقة أنه رغم مرور 37 عاما على ذلك القرار وأكثر من نصف قرن على احتلال المدينة, إلا أن دولة واحدة من أصل 161 دولة تعترف بدولة إسرائيل, لا تعترف بالقدس عاصمة لها, ولا تقيم سفاراتها في المدينة المحتلة . 
ولعل اليوم_ يوم جمعة الغضب العالمي_ قد أظهر مستوى وحجم الرد والغضب, فإن كانت واشنطن ومعها تل أبيب تظن بأن حال العالم العربي كما هو حال حكامه فإنهما واهمتان, ذلك أنه حين يطفح الكيل, يندفع شلال الغضب عارما, فيجرف كل من يقف في طريقه, أما سفارة واشنطن في القدس, فلن يكون حالها أفضل من حال سفارتي إسرائيل في القاهرة وعمان, ولا أفضل حالا من أية مستوطنة إسرائيلية عشوائية في الضفة الغربية .