أسعد عرابي يطفئ الجمر في الصقيع


آخر تحديث: December 6, 2017, 11:56 pm


أحوال البلاد

 

من الصعب الكتابة عن أسعد عرابي الرسام فحضور عرابي الناقد الفني يفسد كل شيء.هي فكرته عن الفن التي لا يمكن رؤيتها خالصة من خلال لوحاته. محظوظ مَن يتمكن من التعامل معه باعتباره رساماً فقط. كلما حاولت أن استبعد شبح الناقد والمفكر الجمالي تذكرت أن عرابي سعى عبر أربعين سنة من الجهد الدؤوب إلى خلق صورته كاتباً له منهجه المتميز في الكتابة النقدية في مجال الفن. وفي الوقت نفسه فإنه كان يعزز أسباب تفاؤله بموهبته رساماً.

كان دائماً من المحترفين الذين يؤثثون حياتهم بالقلق والبحث والاكتشاف وكان بسبب روحه التي لا تكف عن السؤال ينتمي إلى قلة من الرسامين العرب التي تعرف ما الذي تفعله. ما من شيء تقع عليه يدا عرابي إلا وكان له معنى. وهو معنى يتجاوز الحاضر. ذلك لأن رساماً يمتلك معرفة موسوعية بشؤون الفن مثله لابد أن يكون حذراً في ما تنتجه يده. هناك خزين بصري هائل كانت عينه قد حولته إلى مقتنيات شخصية. وهو ما لا يقوى عليه الرسامون الذين يتبعون غرائزهم. فعلى رغم حسيته العالية فإن عرابي يجيد النظر إلى كثير من المعادلات العقلية.

لذلك يجد أن من اليسير عليه أن يعود إلى الفرنسي بول سيزان، فهو مرجع اللوحة الحديثة من دون منازع. يرسم الرسام والناقد المقيم في باريس منذ أكثر من أربعين سنة نساءه ومناظره الطبيعية وفاكهته بروح سيزانية وهو يدرك أنه يستلهم روح المعلم الأول للحداثة الفنية ليكون من خلالها معلماً وهي الصفة التي يستحقها.

لقد أشاع أسعد عرابي ناقداً فنياً الكثير من قيم الفن الراقي وهو الدرس الذي تعلمه بنفسه رساماً ولم يحد عنه بسبب موهبته الكبيرة. معرضه في بيروت «مختارات من الذاكرة» الذي تقيمه قاعة أيام لا يحتفي إلا بجزء من تجربته الفنية، هو ذلك الجزء الذي يتعلق بتعاونه مع القاعة المذكورة ما بين سنتي 2007 و2017. السنوات التي كان فيها الفنان مهتماً باستحضار مدينتي أمه الدمشقية وأبيه الصيداوي. لوحات هي أشبه بالمذكرات البصرية التي يحتال من خلالها الفنان على عمره ليعود طفلاً مشاغباً. وهو كذلك في الحالين. لطالما حلم عرابي أن يرسم كالأطفال غير أن تربيته الأكاديمية كانت تغلبه فيكسرها بتعبيرية متمردة تصل أحيانا إلى التجريد. دمشق وصيدا ليستا سوى ذريعتين للرسم.

مثل أي رسام حقيقي لا يرى عرابي الموضوع الماثل أمامه أو في ذاكرته إلا ذريعة للرسم أو لاستدعائه من الغيب. وهو ما يؤكده لجوؤه إلى اختراع مبان تنسجم مع أسلوبه الفني. مبان قد تكون من صنع خياله مثلما هنّ النساء اللواتي وهبهن حياة ثانية على سطوح لوحاته.

في كل مرة يرسم فيها لا يضع أسعد عرابي (1941) رأسه على الوسادة عينها ليحلم، فهو يمزج في أسلوبه بين مدارس فنية عديدة وجد في مناخاتها ما يعبر عن فلسفته في النظر إلى العالم وإلى البشر. فهو تعبيري وتجريدي ووحوشي ولديه شيء من الواقعية الرمزية. غير أن ذلك المزيج غير المنسجم لا يملك ســـوى أن يتخلى عن نشازاته في مواجهة القوة العـــاصفة التي تنطوي عليها عاطفة الرسام الذي نذر نفسه لمحاكمة الحنين. في علاقة الجمر بالصقيع في عنوان المعرض الحالي ما يشير إلى ذلك الجرح الذي يحمله المهاجر معه ويحرص على أن يندمل وفي الوقت نفسه يكافح من أجل أن لا يكون ضحيته. ثنائية غريبة يعيشها المبدعون المغتربون بألم.

يرسم أسعد عرابي لكي ينسى ويتذكر في الوقت نفسه. غير أنه لا يفعل ذلك إلا مدفوعاً بقوة الرسم المدمرة والماكرة. يستعيد عرابي ذكرياته كمَن يمحوها. إنه يرسم ما لم يعشه واقعياً لكي يتعرف على لذة العيش في بلاد من صنعه. ما من شيء في رسومه يوحي بلوعة مبيتة. كل ما يرسمه عرابي يطلق شعوراً عميقاً باللذة لدى مَن يراه فيغادره ممتلئاً برؤى الساحر الذي لم يره.