شراع الليل . .


آخر تحديث: December 6, 2017, 6:56 pm


أحوال البلاد
بقلم: محمد الجنافي

لا أحد في تلك البقعة من الشاطئ المتلون بشفق المغيب سواهم ... آمال ابنة العاشرة وقد بدت علامات الوهن على جسدها الهزيل تترجل ببطء من سيارة خالها المركونة للتو على رمال شط الهنشير بمدينة طرابلس ... ، أمها صبرية تسندها برفق وتساير تثاقل خطواتها المترنحة على الرمال وهي تقودها نحو قارب صيد راسيا في الجوار .. فيما الأب فرج والخال أنور منهمكان في نقل بعض الأمتعة من الصندوق الخلفي للسيارة إلى  جوف القارب المتهيئ للرحيل ... توقفت قبل القارب بخطوات .. حضنتها بقوة وهي ترسل بنظرات قلقة إلى أقاصي البحر الموغل في الآفاق ... نسيت لبرهة من الوقت بأن جسمها النحيل لا يحتمل ضغط حضنها المشحون بلوعة الفراق فعادت وأرخت طوق ذراعيها حول كتفيها الصغيرين ..
رفعت آمال ذراعيها الهزيلتين وأطبقت بما بقى لها من قوة على خصر أمها التي انحنت نحوها ودست رأسها الصغير في صدرها .. 
تدفقت دموعها وكأنها تتحين لحظة ضمها ..
جاهدت لتكتم عبراتها ففضحتها ارتعاداتها القوية وشهقاتها العالية قبل أن يتحول بكاءها إلى ما يشبه النواح ، استدار الأب نحو البحر متشاغلا بترتيب ما وضع في القارب ليخفي دموعه على ابنته وزوجته .. 
تدخل أنور ليفصل بينهما وقال محاولاً تهدئة الام وعيناه تفيضان بالدمع :
- ليس هناك ما يدعو للبكاء يا صبرية آمال ستذهب في نزهة بحرية للعلاج وستعود بإذن الله سالمة .. واستطرد ممازحا وهو يحاول إخفاء تأثره :
-  في النزهات البحرية القادمة سنذهب أنا وآمال لوحدنا ولن نخبركما أنت و فرج  .. 
انكب فرج يهيئ فراش ابنته وجهاز تنفسها الصناعي وبعض الأمتعة على ظهر القارب فيما تقدم أنور لدفعه صوب الماء . .
أكملت آمال خطواتها نحو القارب مستندة إلى أمها المنهارة . .
 انحنى خالها أنور وحملها بين ذراعيه  الى ابيها الذي هيأ لها متكأ على جدار مقدمة القارب .. 
في الأثناء وضع أنور يده على كتف صبرية وهمس إليها بصوت خافت : تماسكي ، لا يجب أن يروا دموعك في هذه اللحظات ،  ابتسمي  ياصبرية . .  يجب أن نشجعهم . .
ابتلع خط الأفق الفاصل بين الماء والسماء قرص الشمس وشرع يرشف شفقها المنبعث في الأرجاء ..
قبل أن يشق القارب طريقه في البحر التفتت صبرية إلى أخيها أنور وقالت بنبرة مضطربة  :
-    أنور قلبي غير مرتاح ، ما رأيك أن نعود بها إلى البيت ؟ ، نفسي تحدثني بأن شفاء آمال هنا وليس في الخارج ؛ فمن ذهبوا قبلها لم يعودوا ..
أجابها أنور وقلبه يتفطر حزنا  : 
-    عودتها إلى البيت تعني المزيد من عذابها ؛ مشافي ليبيا شبه عاطلة ، وأسعار الأدوية أضعاف دخلك أنت وأبيها ، ليس امامنا لإنقاذها سوى ركوب البحر فحالتها تستدعي تدخلا طبيا عاجلا .
خيم صمت حزين فيما تبادلت العيون الدامعة نظرات الوداع  . . .
كان آخر ما وقعت عليه عينا آمال على الشاطئ طيف أمها وهي تلوح بكلتا يديها لتوديعها بينما القارب يشق طريقه في البحر .. خلف أمها رأت طرابلس تتسع في وجه المغيب قبل أن يلفها ظلام دامس زاد في حلكته انقطاع التيار الكهربائي طيلة تلك الايام .. لا شيء في الأفق سوى أنوار خافتة كئيبة  تضيء بعضا من نوافذ مبانيها المطلة على الشاطئ فيما غاب البحر في لجة ليل أرخى شراعه في الآفاق ليغرق في سواده كل شيء . . آمال والقارب ، المدينة والشاطئ ، صبرية وفرج وأنور . . . . 
جميعهم غابوا في عتمة دامسة . . ولم يبقى سوى هدير قارب يشكو للسكون عناء التيه و سطوة الظلام  .