أحاسيس على الحائط..


آخر تحديث: December 6, 2017, 3:07 pm


أحوال البلاد
بقلم: ربيع محمد التتري

يتسلل صوت المؤذن من خلف نافذةٍ صغيرة يتراقص زجاجها على وقع المركبات القليلة التي تمر في الشارع فيبعث في جسده شعوراً خجولاً بالدفءً. يتقلب في فراشه يمنةً و يسرى ثم ينظر لساعته...يتمطى قليلاً ثم يجلس على حافة سريره الذي يرتفع قليلاً عن أرض الغرفة بينما تتلمس قدماه الأرض باحثةً عن نعليه في عتمة المكان. يفتح صنبور المياه فتخرج منه قطرة أو اثنتان تتهاديان على مضض يعقبهما قرقعة أشبه بتلك الأصوات التي تنبعث من معدة خالية أنهكها الجوع ثم يتلو ذلك سكون قاتل. كان معتاداً على انقطاع الماء، يتناول إبريقاً صغيراً به قليل من الماء ويتوضأ.

في زاوية المكان قطعة من الكرتون تركت جبهته بتجاعيدها في جانبها أثراً من سجوده. على طاولة صغيرة في الجانب الآخر موقد يعمل على الكاز (بابور) يستخدمه لصنع الشاي و الطبخ و أحياناً للتدفئة إذا ما اشتد عليه برد الشتاء القارس. بحركات سريعة يعمل ذراعاً صغيرة في البابور فيعبق المكان برائحة الكاز يتناول عوداَ من الثقاب ويشعله فتسري في جسده النحيل رعشة خفيفية. يحضّر كوباً من الشاي يسقط فيه كسرات من الخبز و يتناول إفطاره.

يشعل سيجارته، يأخذ أنفاساً قليلة ثم يطفأها و يضعها في جيب قميصه. "يا الله" يقولها بينما يرفع على كتفه عدة الشغل. لم يكن له عمل ثابت هو عامل بالمياومة. يمشي كل يوم بضعة كيلومترات حتى يصل لمكان يتجمع فيه العمال و يقصده أرباب العمل من الباحثين عن العمالة الرخيصة ليوم واحد و اثنين و أحياناً لسويعات قليلة. جلس على حافة الرصيف ينتظر رحمة ربه. أشعل سيجارته، أغمض عينيه و أخذ نفساً عميقاً ثم نفث دخاناً كثيفاً حجب عنه الأفق. مرة لحظات قليلة انقشع بعدها المشهد عن إمرأة فائقة الجمال تقف أمامه . نظر إليها بعينين مفتوحتين و فم فاغر فهو لا يدري إن كان ما يراه حقيقةً أم من تأثير نفس السيجارة.. سألته ما اسمك؟ تردد قليلاً ثم أجاب: مصطفى. اركب...قالت و هي تخطو سريعاً نحو سيارتها الفارهة. أنا اسمي فاتنة ، قالت له بينما كانت سيارتها تمخر عباب الطريق.

كانت تلك هي المرة الأولى التي يرى فيها مصطفى إمرأةً بهذا الجمال. كانت فاتنة اسماً على مسمى. وردةً في بداية العشرينات وهبها الله جمالاً ساحراً يسلب الألباب و أنوثةً طاغيةً تتفتح لها كل الأبواب. عينان زرقاوان يغرق في بحرهما أمهر السادات ، جسد غض يضيع في انثناءاته أخبر الرجالات، وقوام ممشوق تتكسر على انحناءاته أعتى الإرادات. و كان لها فوق ذلك شفتان نديتان يتقاطر منهما الزهر، شعر ذهبي يتهادى على نحرها كحبات المطر و صوت ملائكي يسحر الجن و يأسر البشر.

جلس مصطفى الى جانبها يبحث عن الكلمات التي تاهت في فمه كطفل يتعلم الكلام. هل لديك خبرة في الدهان؟ هناك ثلاثة غرف أريد تغيير ألوانها، لم أعد أطيق النظر إليها. سئمت منها و من رتابتها؟ قطعت كلماتها عليه حيرته و ارتباكه و أنقذته من تردده و توهانه. لدي خبرة في كل شيء، أجابها بابتسامة خجولة.

توقفت السيارة أمام محل لبيع الدهانات. ترجلت فاتنة و طلبت من مصطفى أن يساعدها في انتقاء الألوان. انشغلت هي بمعاينة الألوان بأطيافها و الأصباغ بدرجاتها بينما كان هو يتحرك في مدارها ككوكب سقط من مجرته ليدور في فلك شمسها. اختلطت عليه الألوان فلم يعد قادراَ على تمييز أحدها من الآخر. إذا نظرت إليه كان انعكاس نورعينيها يضفي على كل الألوان زرقةً وإذا أشاحت بوجهها عنه كان لون شعرها الأصفر يطغى على كل الألوان. اختارت هي الألوان و اكتفى هو بالموافقة حتى لا يفضح نفسه. قليل الكلام أنت يا مصطفى، قالت هي. وهل للكلام معنى في حضرة هذا الجمال، قالها دون أن ينطق بها.

وصلا الى منزل فاتنة. هل تريد أن تشرب شيئاً قبل أن نبدأ العمل؟ سألته برقة لم يعدها. قليل من الماء من فضلك، شرب ولكن لم يرتوي. فالهوى عطش أبدي ليس له مايرويه و العشق داء سرمدي ليس هناك ما يشفيه. لم يكن مصطفى قد جرب الحب من قبل و كانت علاقته بالنساء قد اقتصرت على جدته التي ربته و من ثم على جارته التي تعطف عليه كأحد أبنائها. كانت تشفق على حاله ووحدته فترسل له بعض الأكل من حين إلى آخر. جلست فاتنة على الأريكة وقالت له يمكنك أن تبدأ بهذا الحائط. تناول مصطفى بعض الأوراق و غطى بها الأثاث و السجاد حتى لا تتسخ. تناول الفرشاة و غرق في بحر من الأحاسيس. كان الحائط بألوانه الكئيبة القاتمة صورةً لما كانت عليه حياته قبل أن يراها. اختارت فاتنة للحائط ألواناً زاهيةً كألوان الربيع الذي تفتح في قلبه. على الحائط كانت الألوان تتراقص على وقع خفقات قلبه و على الحائط كانت الخطوط تتمازج كعاشقين التقيا بعد طول غياب. على الحائط التقى بيكاسو بموزارت و نزار قباني بقيس بن الملوح. على الحائط بحر وسماء، شمس و فضاء، لحن وغناء. كانت ألوانه ساخنةً و باردة، مضطربةً و وادعة، صارخةً و هادئة في آن واحد. وكانت خيوطه واضحة و غامضة، فاتحة و غامقة، متوازية و متعامدة في ذات الوقت.

كان مصطفى و بشكل لا شعوري يؤدي عمله على أكمل وجه و كانت فاتنة ترقبه بانبهار. لقد استحال الحائط بين يديه لوحةً ناطقةَ يعجز عن رسمها أبرع الفنانين. نظرت فاتنة إلى مصطفى و إذا به قد شحب و جهه و انطفأت عيناه. اقتربت منه فشعرت بالبرد. حاولت أن تحركه و لكنه كان جامدا كقطعة ثلج صامتاُ كصخرة صماء. سقطت الفرشاة من يده ثم خرج. رحل مصطفى بعد أن ترك نفسه معلقةً على حائطها.