دولة الاستبداد العالمي


آخر تحديث: December 6, 2017, 2:16 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

بالتدقيق الهاديء والتفكير العميق, يمكن القول بثقة ودون مبالغة بأن الولايات المتحدة الأمريكية, لا تختلف كثيرا عمن سبقها من دول استعمارية, أو من قوى سعت لاحتلال العالم, ووصفها التاريخ على أنها كانت دولا ظالمة وقاهرة, من بريطانيا التي لم تكن الشمس تغيب عن مستعمراتها, إلى المغول الذين سعوا لاحتلال العالم, ومن أجل ذلك قاموا بكل أنواع وأشكال القتل والتدمير, في كل مكان قاموا باحتلاله, وحتى ألمانيا الحرب العالمية الثانية .

ولأن التاريخ يكتبه المنتصرون, فقد صور الإعلام الأمريكي جيوش اليابان وألمانيا في الحرب العالمية الثانية, أوصافا أقل ما يمكن أن يقال فيها, أنها تنطبق على الجيوش الأمريكية أكثر من غيرها, ليس خلال الفترة التي شاركت بها بالحرب الكونية الثانية, ولكن فيما تلاها أيضا .

منذ أكثر من سبعين سنة, ورغم أن هناك تسع دول في العالم تمتلك السلاح النووي, إلا أن الدولة الوحيدة التي قامت باستخدامه خلال تلك العقود السبعة, هي الولايات المتحدة, كذلك هي الدولة التي حاربت حركات التحرر بشكل مباشر خلال الحرب الباردة _فيتنام مثال على ذلك_ وأحدثت في صفوف الشعب الفيتنامي المتطلع للوحدة الوطنية والتحرر والتقدم خسائر بشرية قدرت بملايين الضحايا, ثم هي الدولة التي شنت حروبا في غاية البشاعة بعد انتهاء الحرب الباردة, في صربيا, أفغانستان والعراق, وهي أكثر دولة في العالم تتدخل في شؤون الآخرين, وكما لو كانت "بلطجي العالم" تقوم بأخذ الإتاوات من كل مكان .

والولايات المتحدة هي الدولة التي كانت ترعى أنظمة الاستبداد خلال الحرب الباردة, أي منذ أن قادت العالم الأول في عالم ثنائي القطب, الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية, والأمثلة لا تعد ولا تحصى من نظام باتيستا في كوبا الذي أسقطه فيدل كاسترو فناصبته العداء, إلى بينوشيه في تشيلي, وكل ملوك وقادة الانقلابات العسكرية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية, وهي أكثر دولة رعت نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وكذلك إسرائيل وهي تحتل كامل أرض دولة فلسطين وأراضي الدول العربية المجاورة .

الولايات المتحدة أكثر دولة في الأمم المتحدة استخدمت حق النقض/الفيتو لإحباط قرارات تدين جرائم الاحتلال الأسرائيلي, وأكثر دولة كانت مع الأقلية التي تصوت ضد القرارات المنددة بجرائم الاحتلال في الجمعية العمومية مع دول مجهريه, وهي دولة عظمى !

أما النظام أحادي القطب الذي نشأ بقيادة الولايات المتحدة, منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي, أي منذ ما بعد انهيار جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة, أقل ما يمكن وصفه بأنه نظام الاستبداد العالمي, الذي لا يختلف في شيء عن أنظمة الاستبداد التي ما زالت قائمة هنا وهناك في أكثر من مكان, حيث أن الولايات المتحدة تعد نفسها دولة فوق الدول, وفوق القانون الدولي, وكل شيء تفرضه بالقوة, العسكرية إن لم يكن بالقوة الاقتصادية .

وحين تعجز الولايات المتحدة عن جر العالم في حروبها ضد بعض الأنظمة أو الحكام, أو حتى الدول, لا تتردد في خوض الحروب وحدها, أو مع بعض الحلفاء, كما فعلت عام 2003 في العراق .

الولايات المتحدة, لا تلتزم بالقانون الدولي, بل إنها لا تتردد في ممارسة الضغوط العلنية على الأمم المتحدة, حين تقدم المنظمة الدولية على اتخاذ قرار أو القيام بفعل ينسجم مع القانون الدولي أو يعبر عن منطق العدالة الكونية, ولا يعجب الدولة التي هي رأس نظام الاستبداد العالمي اليوم .

ربما كان أصل الولايات المتحدة الأمريكية, الذي يعود إلى قراصنة البحار والى كونها قد قامت على أكتاف المستوطنين البيض, يفسر طبيعة السياسة الأمريكية, وربما كان النظام الرأسمالي الذي تقوم عليه الدولة, وربما كان النظام السياسي/الرئاسي, وربما كل هذه الأسباب مجتمعة .

في الحقيقة إن النظام الدولي, الذي تعتبر الأمم المتحدة أحد ركائزه, والذي قام بعد الحرب العالمية الثانية, ومنح خمس دول حق النقض, أو جعل منها "مجلس الحكم الدولي" بات بحاجة إلى تغيير بعد كل هذه السنين, وهذا أمر يقع على عاتق كل دول العالم, لكن الاستبداد الأمريكي المتوارث والذي يتوج قرونا من القهر الكوني, بات يحتاج انتفاضة عالمية تقوم بها كل شعوب الأرض, لإجبار الولايات المتحدة, على الانسجام مع المنظومة الدولية, ومن ثم الالتزام ليس فقط بالقانون الدولي, ولكن أيضا بالأخلاق الكونية .

نقول هذا الكلام بمناسبة احتمال إقدام البيت الأبيض على الدفع بقرار الكونغرس المتخذ عام 1995 والقاضي بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس, وذلك بعدم تعليق القرار, من قبل دونالد ترامب, كما جرت عادة الرؤساء الأمريكيين السابقين .

فكل الدنيا تعرف مكانة القدس لدى مليار ونصف مسلم, كذلك حقيقة كونها مدينة محتلة, وكأنه لا يكفي الولايات المتحدة, أن كل الدنيا تعرف أنها تقوم برعاية الاحتلال الأسرائيلي لأرض دولة فلسطين, كما سبق لها وأن رعت نظام الفصل العنصري الجنوب أفريقي, وكل أنظمة الاستبداد في العالم, لذا فهي تفكر في الأقدام على فعل شاذ, غير مسبوق .

أخيرا نقول, بأنه ليس هناك دولة في العالم مكروهة من قبل معظم بني البشر, كما هو حال الولايات المتحدة, وهي بالمناسبة, دولة مؤسسات, أي أن كراهية البشر لها ليست كراهية موجهة لنظام أو شخص, كما كان الحال تجاه النازي أو الفاشي, أو حتى المغول, لذا فإن أحدا عليه أن لا يستغرب إن انتفضت البشرية كلها, من أجل حريتها الكونية ومن أجل سعادة بني البشر ضد الاستبداد الكوني الأمريكي, والحقيقة أن نصف البشرية كانت خلال الحرب الباردة تقوم بهذا الفعل, لكنه آن الأوان_الآن_ من أجل ثورة عالمية, أو من أجل ربيع كوني, ضد الاستبداد والقهر الذي تمارسه الولايات المتحدة كدولة تقف على رأس النظام العالمي الحالي .