إسرائيل تتوسع بالأحزمة الأمنية


آخر تحديث: December 3, 2017, 4:53 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

بالكاد, ورغم أن نتائج الحرب الباردة وما تلاها جاءت في صالح إسرائيل, إلا أنها بالكاد تقوى على الحفاظ على احتلالها للأراضي التي احتلتها عام 1967, التي ما زال العالم كله, بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية يعتبرها أراضي محتلة, لا يجوز تغيير معالمها, وأن كل أشكال البناء فيها هي غير شرعية, هذا فضلا عن أن ضمها, هو باطل, وأن الأرض المحتلة نتيجة الحرب, لابد أن تعود إلى ما كانت عليه, عند التوصل لتسوية بين طرفي الحرب التي كانت قد وقعت, وصارت بسببها تلك الأرض محتلة .

بعد حرب العام 1967, احتلت إسرائيل فيما يمكن وصفه بالموجة الثانية لأقامتها أراضي أخرى, بعد الموجة الأولى عام 1948, التي حصلت إسرائيل بعدها, على أكثر مما كان قد قرره لها المجتمع الدولي, ففي العام 1948, وبنتيجة الحرب التي وقعت, احتلت إسرائيل من أرض الدولة العربية وفق قرار التقسيم نحو نصفها, أي أنها تجاوزت حدود "دولة إسرائيل" وفق قرار التقسيم, بما يعادل النصف, وبذلك أعلن قيام إسرائيل على ثلاثة أرباع فلسطين الانتدابية, أما في الموجة الثانية, فقد احتلت إسرائيل على أضعاف تلك المساحة, حيث احتلت الربع الأخير من فلسطين الانتدابية (القدس والضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة), كما احتلت الجولان السوري, وسيناء المصرية, التي هي وحدها تعادل مساحتها أكثر من ضعف مساحة فلسطين الانتدابية .

نقول بالكاد تقوى إسرائيل على الاحتفاظ بتلك الأرض التي احتلتها, لأن مصر أولا وبعد توقيع كامب ديفيد استعادت سيناء, ولكن منزوعة السلاح _تقريبا , وانسحبت إسرائيل من قطاع غزة من جانب واحد, وكانت ضمت القدس والجولان, والصراع محموم منذ ربع قرن على الضفة الغربية .

لم توافق إسرائيل منذ كامب ديفيد 1977 على أكثر من حكم ذاتي للضفة الغربية, وهي متذرعة بالأمن الذي هو أقوى ورقة بيدها, امتلكت بحجته, وبمساعدة الغرب القنابل النووية, وأخطر أنواع الأسلحة, وأقنعت الغرب_خاصة أمريكا_ بضرورة أن تتفوق على كل الجوار مجتمعا, عسكريا, ومع مرور الوقت, واستحالة أن يسمح العالم لإسرائيل بمزيد من الاحتلال _آخر احتلال لها كان عام 1982, حين دخلت لبنان من جنوبه حتى العاصمة , بيروت_ ثم اضطرت للانسحاب إلى ما وراء الحدود الدولية عام 2000, ومعروف أن لديها أطماع في المياه اللبنانية حتى نهر الليطاني_ لكنها ابتدعت فكرة إنشاء مناطق أمنية, أو أحزمة فراغ أمني, لتأمين حدودها وعمقها, وإبعاد الجيوش العربية عنها, وهي بالمناسبة كانت تحرص دائما على أن تكون ساحات القتال في الأرض العربية, وحدث هذا عامي 1956, 1967, لذا كانت هي التي تبدأ الحرب, وتباغت بها العرب, أما في عام 1973, فقد فاجأها العرب, لذا ألحقت بها الخسائر, وإن كانت ساحة الحرب الأرض العربية المحتلة في سيناء شرق قناة السويس, والجولان السوري .

أول منطقة أمنية أنشأتها كانت في جنوب لبنان, لدرجة أنها جعلت منها "دولة عميلة" برئاسة سعد حداد ثم أنطوان لحد, إلى أن حررتها المقاومة عام 2000, أي أن ذلك الحزام الأمني, المسمى بدولة لبنان الحر, بقي أكثر من عشرين سنة, من عام 1979_2000 !

كذلك فأن إصرار إسرائيل خلال مفاوضات كامب ديفيد 1977 على تقسيم سيناء إلى ثلاث مناطق, المنطقة الأكبر منها تعتبر عمليا منزوعة السلاح, يؤكد هذا المذهب, وقد ذهبت إسرائيل باستغلالها للحرب داخل سوريا, بهذا المنحى أيضا, حين دفعت الأطراف للإقرار بوجود منطقة منزوعة السلاح جنوب غرب سوريا, عبر اتفاق روسي, أردني, أمريكي, لا تكتفي به إسرائيل, بل ها هي تقوم بشن الغارات الجوية على ما تسميه إنشاء قاعدة عسكرية إيرانية في منطقة الكسوة جنوب دمشق, وعلى بعد 40 كيلو من الجولان السوري المحتل  .

أي أن إسرائيل تخرج من مولد سوريا أيضا بحزام امني عرضه أكثر من 40 كلم, هو عبارة عن منطقة منزوعة السلاح, هي كل المسافة من جنوب العاصمة إلى حدود سوريا مع إسرائيل .

هذا وتقيم إسرائيل الجدران الأمنية على كل حدودها مع جيرانها, ولا تثق بمعاهدات السلام, وتحرص كل الوقت على إفراغ المنطقة التي تحيط بها من كل عوامل ومراكز القوة, خاصة العسكرية منها, لذا فإنها تحرص على عدم امتلاك كل العرب وجلّ المسلمين للسلاح النووي, وهي تتدخل عند عقد أية صفقة سلاح, تكون فيها دولة عربية طرفا, ولا تفرق هنا بين دولة معتدلة وأخرى متشددة, وتحرص على أن تبقى كل الدول العربية بلا سلاح ردع .

وإسرائيل لن توافق أبدا على أقامة دولة فلسطينية على ارض الضفة الغربية, دون أن تكون منزوعة السلاح أولا, لتتجنب أي احتمال ولو كان واحد بالمائة, أن يستخدم سلاحها ضدها, مع أنها هي عبارة عن ترسانة سلاح, وثانيا البقاء في غور الأردن, بحجة قطع الطريق على أي تهديد امني محتمل من جهة الشرق, من إيران أو باكستان أو اندونيسيا .

بذلك تبدو إسرائيل مثل اللص الذي "يتقلب على جمر النار", لا تغمض له عين, ولا يقوى على النوم, فهو يخشى القبض عليه في أية لحظة, وهي تذكرنا بجنود الرومان قبل قرون, حين كانوا يرتدون كل أنواع المعادن, على الرأس والأيدي والأرجل, ويحملون الدروع, رغم أنهم يحملون في الوقت نفسه كل أنواع الأسلحة من السيوف, والرماح والسهام, لكن الخوف لا يغادرهم أبدا .

وكما يقولون إذا عرف السبب بطل العجب, وبدل اللف والدوران, إسرائيل لم تجرب ولا تفكر في أن تجرب أن تكف عن السطو على أراضي الآخرين, فها هي سويسرا_مثلا_ دولة بلا سلاح, لكنها أكثر مكان آمن في العالم, ولو أن إسرائيل تركت الآخرين في حالهم, لربما لم تكن بحاجة إلى كل هذه الجدران والمناطق الآمنة, وبالطبع لم تكن بحاجة إلى كل هذه الترسانة من الأسلحة .