ردود أفعال "قطبية" مأزومة


آخر تحديث: November 28, 2017, 3:07 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

انتهزت شراذم "الإخوان" القطبيين المنتشرة في بلدان الاستضافة الدافئة، جريمة مسجد "الروضة" لكي تنشط وترش تحليلاتها الرديئة والمرتبكة. وفي العادة، لم تُعرف عن هؤلاء حصافة التحليل، الذي يأخذ الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية في الاعتبار. فقد كانت حماقات تحليلاتهم وكان بؤس استشرافهم للمستقبل القريب، سبباً في مأزقهم!

ولئن كان الاتهام المباشر للدولة المصرية، غليظاً وغير قابل لمجرد المرور في عقل أي إنسان؛ فقد اختاروا اللف والدوران لكي يكون الاتهام ضمنياً، أو على الأقل لكي تصبح الدولة المصرية هي المسؤولة عن المجزرة. ولم يكن ذلك ممكناً، دون الاستناد الى تصريحات إسرائيلية شديدة التطرف، دعت في أحدثها وزيرة إسرائيلية متطرفة، الى تفريغ سيناء لإسكان الفلسطينيين فيها. ولم يقل لنا هؤلاء الجهابذة، أي فلسطينيين هم المستهدفون بعملية إسكان، ومن هو الطرف المعني بهذا الإسكان، لا سيما وأن فلسطين ومصر، منشغلتان في مواجهة الاحتلال والإرهاب؟ فسكان غزة مكتفون بمنازلهم، ولا يزيد مطلبهم عن التواصل اليومي مع الشقيقة مصر، أما في الضفة، فإن الأرض تستوعب أضعاف سكانها، وما هذه الترهات، إلا نتاج إفلاس أصحابها وفقدانهم للمنطق، ثم إن الفلسطينيين لا يرون لوطنهم بديلاً.

أحد التعليلات السخيفة، للمجزرة، تقول إن ما حدث في "الروضة" يتطلب عملية فكرية معقدة، تستأصل أفكار التكفير ومعاداة أبناء المجتمع الأبرياء، وهذه العملية "لن تنجح بغير السماح للإسلام المعتدل أن يحل بدل الإسلام المتطرف. إن أول عناصر السخافة في هذا المنطق، هو الاتهام الضمني لمصر، حُكماً ومجتمعاً، بالافتقار الى اعتدال الثقافة الإسلامية والى الشروحات المستنيرة للدين الحنيف. أو كأن الشروحات "الإخوانية" القطبية للدين الإسلامي معتدلة أو هي التي تصلح بينما سيد قطب وصف المجتمع بأنه جاهلي. لقد كان جديراً بهؤلاء، بدل أن ينصحوا الآخرين بتغيير ثقافتهم، أن يعترفوا أولاً بأن الجذر الفقهي للإرهابيين، ليس إلا نتاج تراجع فقههم لصالح الطموحات السياسية، وارتفاع منسوب التطرف "الإخواني" بعد مقتل المؤسس حسن البنا، وبعد انفضاض قلائل المتفهين من الشيوخ كالسيد سابق والباقوري وغيرهما. كان يتوجب على "الإخوان" أن تجلب الاعتدال الى نفسها، لا أن تطالب باعتدال الثقافة الإسلامية المتداولة في بلد كمصر، تتسع فيه الشروحات المستنيرة والأدعية الإيمانية، وتشمل حتى الرسائل الصوتية التي اعتمدتها شركات الاتصالات الخليوية والإعلانات التجارية.

لا يصح أن يؤخذ على الدولة المصرية، أنها تقاعست في حراسة مسجد في سيناء، ثم التلميح بأن التقاعس كان مقصوداً. إن مثل هذه التحليلات العدمية لا تقدم الثقافة التي يزعم هؤلاء أنهم يطالبون بها. فلو كان ما يزعمونه صحيحاً وجاداً، لركزوا على منطق الجريمة نفسه، وعلى الضلال الذي ذهب بالضالين الى مثل هذا المنحى البشع، وتناولوا بالأدلة الفقهية،  إشكالية الانحراف الفكري الذي عليه أولئك الذين يدفعون الإرهابيين للقتل، ولناقشوا فرضيات عزلهم وفضحهم ومحاصرتهم. فما سمعناه من "الإخوان" القطبيين، بعد مجزة المسجد، ينم عن رغبة في محاصرة الدولة لا في محاصرة الإرهاب، وتخطئة الثقافة الإسلامية الصحيحة لصالح الثقافة الحزبية. ففي سياقهم المرتبك هذا، تراهم يؤكدون على الفرضيات التي رفضتها أدبياتهم. فلطالما ــ مثلاً ــ هاجموا فكرة وجود "إسلام متطرف" و"إسلام معتدل" وقالوا إن الإسلام هو الإسلام، ومثل هذا التصنيف أطلقه مارقون، لكنهم اليوم يطالبون بأن يحل "إسلام معتدل" بدل "إسلام متطرف"، ويطرحون سبباً لهذه المطالبة، وهو "إحداث تحول فكري ينسف المقاربات التي يقوم عليها الإرهاب، ويُنّظر لها الإرهابيون"!

في ردود أفعال جماعة "الإخوان  القُطبيين التي أربكها حجم المجزرة ومكانها، لا نوعها ولا سياقاتها الأقل حجماً؛ نكون بصدد طرف يصنع العفريت لإطلاقه على خصومه، فينفلت على الناس، وربما ينفلت عليه. فــ "الإخوان" بمجملهم بدأوا حركة سلفية لا تخلو من صوفيّة. فمؤسسها حسن البنا، قال في مذكراته أنه أنتمى الى الطريقة الحصافية الشاذلية، ولم يقل غير ذلك حتى نهاية حياته القصيرة. ومن مفارقات الأقدار، أن يؤسس سيد قطب للتطرف، في سنوات الخمسينيات، بعد ان عاش علمانياً، ثم أصبح "إخوانياً" وهو غير ذي شأن بالفقه على المستوى الأكاديمي، بل أكد الشيخ محمد الغزالي في كتابة "معالم الحق في كفاحنا الإسلامي" على أن سيد قطب انضم الى الحركة الماسونية وكان يكتب في صحيفتها. لكن الذي حدث أن تفرعت  عن أفكار سيد قطب، كل مقاربات الغلو والتكفير، لكي تأتي مرحلة لن يتورع فيها الإرهابيون عن نسف قبر حسن البنا مؤسس الجماعة، بسبب كونه صوفياً. فالسِحر هنا، يرتد على السحرة، لكن السحرة لا زالوا كلما اضطروا الى تبرئة أنفسهم من أية جريمة، يذمون إرهاب السلفيين المتطرفين باقتضاب، لكنهم يُسهبون في التحريض على الدولة!