34 عاما على أضخم عملية تبادل أسري بين حركة فتح والكيان الصهيوني


آخر تحديث: November 25, 2017, 11:04 pm


أحوال البلاد

تقرير محمد عابد

لا زال التاريخ مصرا علي أن يعيد إلي ذاكرتنا ,أن حركة فتح هي الوحيدة القادرة على حماية المشروع الوطني , وأنها إذا ضربت أوجعت كما حدث في 24/11/1983 حيث أجبرت حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح العدو الصهيوني بإتمام أكبر واهم وأعظم عملية تبادل أسرى في تاريخ الثورة الفلسطينية والتي قام بها فدائيون من حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح حيث تم الإفراج عن 4600 أسير مقابل 6 جنود إسرائيليين.

فمنذ 34 عاما سجل التاريخ بحروف من نور ونار ,أكبر عملية تبادل الأسرى ففي العام 1983 كانت من أبرز وأضخم صفقات التبادل في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة منذ انطلاقتها, حيث أن إسرائيل دخلت حرب عام 1982 تحت شعار عملية سلامة الجليل من أجل وقف ومنع تساقط صواريخ الكاتيوشا علي أراضيها, واجتاحت القوات الإسرائيلية المدن والقرى والمخيمات في لبنان, وخلال عمليات الاجتياح استطاع الفلسطينيون ممثلين بمنظمة التحرير الفلسطينية وقيادة حركة فتح ومن قاتل معهم إيقاع خسائر عسكرية وسياسية بإسرائيل , ومن أعظم الخسائر الإسرائيلية, وقوع أسرى إسرائيليين في أيدي مقاتلي حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح وبلغ عدد الجنود الإسرائيليين " 8 " حيث احتفظت حركة فتح بستة جنود وتحفظت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين " القيادة العامة " على 2 منهم لظروف خاصة بمسرح العملية وظروفها .

في الساعة الحادية عشرة من صباح السبت الرابع من أيلول من عام 1982, بعد خروج القوات من لبنان صدرت أوامر من قيادة حركة فتح بضرورة, أسر عدد من الجنود حيث قامت المجموعة بإبلاغ القيادة عن وجود إحدى الدوريات الإسرائيلية التي اعتادت على المرور في وقت محدد إلى الشمال من بحمدون عبر واد كثيف الأشجار وشديد الوعورة إلى منطقة حمانا وهي قرية لبنانية نحت السيطرة السورية ,وبسبب كثافة الأشجار ووعورة الطريق اعتادت الدورية السير على الأقدام بسبب عدم قدرة الآليات على الدخول إلى نقطة قريبة معينة ثم التوقف.

انطلقت مجموعات حركة فتح من القاعدة السرية المتقدمة وكانوا يرتدون ألبزه العسكرية مثل ألبزة التي يلبسها عناصر حزب الكتائب ويحملوا رشاشات من نوع كلاشينكوف ألماني, وعندما اقتربوا من الهدف اتفقوا على عدم التحدث وان يتم التفاهم بينهم بالإشارات, وهناك المجنزرة الإسرائيلية قد أفرغت حمولتها بالكامل من ثمانية جنود مدججين بالأسلحة الفردية والذخائر والمؤن التي تكفيهم طوال اليوم , وبسبب حرارة الصيف ووعورة الطريق اخذ التعب من الجنود الإسرائيليين ما أن وصلوا إلى الكمين حتى استلقوا على الأرض وكلفوا ثلاثة منهم بالحراسة.

وفي هذه الإثناء كانت مجموعات حركة فتح ترصد وتتعقب الجنود الثمانية, في انتظار الفرصة المواتية للانقضاض عليهم, وتم الاتفاق على الانقضاض عليهم على أن يكون احد العناصر في المقدمة ثم يتبعه عنصر آخر بعد خمس دقائق ثم يتقدم العنصران الآخران بعد دقيقتين ومن اتجاهين مختلفين، وفي حالة تم الاشتباك يقوم العنصران الآخران بإطلاق النار على الجميع.

وفي ساعة الصفر تقدمت المجموعة حسب الخطة ودخلت إلى وسط الجنود- الموقع الإسرائيلي- وكان لباسهم وهيأتهم وسلاحهم لا يوحي بأنهم من الفدائيين بل من عناصر حزب الكتائب, فصافح أحد أفراد المجموعة أحد الجنود وتحدث معه بالفرنسية التي كان يتقنها وركز في حديثه إلى احد الجنود وكأنه يعرفه من مدة طويلة وكان جالسا على بندقيته من طراز "جليل" فيحضنها, ثم تقدم من ذلك الجندي ووضع قدمه على كعب بندقية الجندي , في هذه اللحظة التي وصل فيها أحد أفراد المجموعة إلى الموقع وطلبوا من الجندي الوقوف واضعا بندقيته في بطنه وسحب الأقسام استعدادا لإطلاق النار, فأصيب جنود الموقع بالذهول  والخوف وحاول احدهم إطلاق النار ولكن احد أفراد المجموعة تحدث له بالعبرية، قائلا لا تطلق النار إذا أردت أن تعود إلى أمك سالما ,فأيقن الجنود الإسرائيليون أنهم محاصرون, فأمرهم قائدهم بعدم المقاومة.

وفي هذه اللحظة وصلت بقية المجموعة, فأدرك الجنود أنهم محاصرون ولا يستطيعون القيام بشيء, فتقدم أحد الفدائيين وتحدث لهم بالعبرية قائلا إننا فدائيون ولا نرغب بقتلكم أو إيذائكم إلا إذا حاولتم المقاومة, وان الموقع محاصر من جميع النواحي, فصعق الجنود واستسلموا جميعاَ , فأمرتهم المجموعة بالنزول إلى المدرج الثاني داخل الموقع، فقد كانت المجموعة الفدائية تعرف أن عدد الجنود في الموقع 8 ولكنهم لم يجدو سوى خمسة جنود.

وفي هذه اللحظة دخل جندي من بين الأشجار فأمره أحد عناصر المجموعة بالعبرية برمي سلاحه وإلا لن يرجع إلى أمه سالما, فرأى زملاءه الجنود فقام برمي السلاح ورفع اليدين ثم تبعه الجنديان الآخران , تم الأمر في فترة 5-7 دقائق, وكان الأمر بالنسبة إلى الدورية العسكرية الإسرائيلية مفاجأة.

ومع إن عملية الأسر انتهت إلا أنها لم ينته بالنسبة إلى مجموعة الفدائيين, فبقي لديهم مهمة نقل الأسرى من منطقة مليئة بالحواجز والمواقع العسكرية لتنظيمات مختلفة, مما أثار القلق لقائد المجموعة الفدائية، ما العمل ثمانية جنود إسرائيليين لدى 4 فدائيين؟

وهكذا بدأت عملية الإخلاء الصعبة والشاقة حيث عمل قائد المجموعة على إعادة الأسلحة إلى الجنود الثمانية وكلفوا بحملها بعد أن جرت عملية تبديل مخازن الذخيرة في كل سلاح فلا يحمل الجندي أي ذخيرة من نوع السلاح الذي يحمله حتى لا يشكلوا خطورة,وفي طريق العودة أصيب احد الجنود الإسرائيليين برصاصة بكفته إثناء تعثر احد الفدائيين فانطلقت رصاصة من بندقية الفدائي باتجاه الجندي الإسرائيلي.

وحتى لا يحدث لبس في أثناء توجه المجموعة للقاعدة العسكرية, توجه احد عناصر المجموعة واخبر القاعدة إن عملية الأسر نجحت, وفي سبيل التغلب على نقل الأسرى إلى منطقة البقاع وعلى مشكلة الحواجز والمواقع المنتشرة في المنطقة تم الاتفاق مع موقع الجبهة الشعبية- القيادة العامة- للمساهمة في عملية نقل الأسرى, حيت تتمتع سيارات الجبهة الشعبية بحرية اكبر في الحركة على الحواجز والمواقع المنتشرة على الطريق.

وتم تقسم الأسرى إلى مجموعتين, المجموعة الأولى تضم أسيرين في سيارة تابعة للجبهة الشعبية وتسير في المقدمة وتضم المجموعة الثانية ستة أسرى في سيارة تابعة لفتح وتسير في المؤخرة وبهذا الأسلوب تم اجتياز الحواجز والمواقع على الطريق إلى مقر القيادة في البقاع ولكن الجبهة الشعبية- القيادة العامة- أصرت على الاحتفاظ بالأسيرين, وعند وصول الفدائية إلى المقر في البقاع عمت الفرحة وتم تسليم الأسرى الجنود إلى محمود العالول, وتم إبلاغ القيادة في دمشق بعملية الأسر.

وما أن اكتشف الإسرائيليون فقدان جنودهم حتى بدأت عمليات البحث بالطائرات والمجنزرات والجنود, وبعد ذلك أعلنت إسرائيل فقدان 8 جنود محذرة من المساس بهم, أما على الصعيد الداخلي لإسرائيل فقد اعتبرت إحدى الانتكاسات التي مرت بإسرائيل.

استمرت المفاوضات مع إسرائيل ما يقارب العام والنصف وشاركت فيها جهات دولية بما فيها الصليب الأحمر, والنمسا في شخص مستشارها كرايسكي وغرسنا في مرحلة لاحقة، وتعرضت هذه المحادثات لأكثر من مرة بالشلل والتضارب في الآراء كانت هناك اختلافات بين قيادة الثورة الفلسطينية وإسرائيل حول عملية إطلاق سراح الأسرى, من اجل ذلك شكلت قيادة الثورة بقيادة الشهيد ياسر عرفات الذي كان محاصرا أنداك في طرابلس لجنة متابعة ومواصلة الاتصالات مع الإطراف المعنية, وكذلك شكلت إسرائيل لجنة متابعة تغيرت أكثر من مرة, حيث تعنت الطرف الإسرائيلي أكثر من مرة ,ولكن ما أجبر إسرائيل بالعمل على الموافقة على مطالب حركة فتح ومنظمة التحرير انه خلال الاشتباكات التي جرت في طرابلس في شمال لبنان, أحس الإسرائيليون بالخطورة على حياه أبنائهم الأسرى بسبب جدية الموقف من قبل قيادة الثورة، فوافقت إسرائيل على إطلاق العدد الذي تحدد من قبل قيادة فتح والثورة.

وشارك في هذه المفاوضات كل من قائد الثورة ياسر عرفات, وخليل الوزير نائب القائد العام للثورة, ونبيل أبو ردينه, حيث اجتمعت القيادة تحت أزيز الرصاص والانفجار في طرابلس مع ممثل الصليب الأحمر جون هفيلكير، وقاربت مرحلة المفاوضات على الانتهاء حيث كانت مطالب القائد العام للثورة الفلسطينية:

1. إطلاق سراح أسرى معتقل أنصار والنبطية وصيدا وصور.

2. إطلاق سراح مائة أسير وسجين من سجون الداخل.

3. إعادة أرشيف مركز الأبحاث الفلسطيني.

4. الإفراج عن ركاب الباخرتين كورديلا وحنان.

وقد نقل الصليب الأحمر وجهة نظر ومطالب القيادة، وفي 20/11/1983 في طرابلس بلبنان عقد اجتماع قيادة الثورة الفلسطينية وبحضور الصليب الأحمر و تم خلاله استعراض نتائج الاتصالات مع إسرائيل من قبل الصليب الأحمر، حيث أبلغت إسرائيل الصليب الأحمر اعتراضها على إطلاق كافة الأسماء من معتقلي الداخل,وقالت إسرائيل إنها تريد إن تختار الأسماء بينما أصرت القيادة الفلسطينية للثورة على التمسك بكافة الشروط المسبقة , وأعيد الاجتماع يوم الأحد 22/11/1983 ومثل الوفد الفلسطيني أبو عمار ونبيل أبو ردينه ونقل الصليب الأحمر عن محاولة إسرائيلية باختيار 50% من أسماء معتقلي الداخل مقابل 50% للمنظمة ورفض الوفد الفلسطيني, وتمسك بشروطه.

وتم عقد اجتماعات طوال يوم الاثنين 23/11/1983م بجولة ثانية بوجود أبو عمار وأبو ردينه, ووافقت إسرائيل على كافة المطالب التي فرضتها منظمة التحرير وحركة فتح, وكذلك موافقة إسرائيل على اقتراح الصليب الأحمر بإجراء عملية التبادل في عرض البحر وتم الاتفاق على تحديد مكان اللقاء شمال غرب جزيرة رانكين الساعة الثانية عشرة ليلة 23-24/11/1983 م, حيث وقع أبو جهاد النائب العام للثورة الفلسطينية على وثيقة الصليب الأحمر بتسليم 6 جنود في نفس الوقت الذي يتم فيه تحرير الأسرى الفلسطينيين واللبنانيين وكذلك وقع على وثيقة الصليب وزير الجيش الإسرائيلي في حينه موشيه آرنس.

نصت الوثيقة أن تكون عملية التبادل على ثلاث مراحل ,المرحلة الأولى, التحرك على الشاطئ اللبناني تقوم إسرائيل بإطلاق سراح ركاب الطائرة الأولى من مطار اللد باتجاه الجزائر, المرحلة الثانية, يتسلم الصليب الأحمر الأسرى الجنود مقابل سماح إسرائيل إطلاق الطائرة الثانية للأسرى إلى الجزائر , المرحلة الثالثة, لحظة تسلم الجانب الفرنسي الأسرى الجنود، تقوم إسرائيل بالسماح للطائرة الثالثة بالإقلاع باتجاه الجزائر على إن يتم إطلاق سراح معتقلي معسكر أنصار الذي اختاروا البقاء في لبنان, حيث نقل الأسرى الفلسطينيين بطائرات جمبوا فرنسية من مطار اللد إلى الجزائر.

بدأت في ميناء طرابلس في شمال لبنان في الساعة العاشرة من ليل الخميس 23 تشرين الثاني 1983 حركة غير عادية, حيث كانت زوارق بخارية تقف على أهبة الاستعداد وكانت بداخلها حراسة مشددة من قبل قوات حركة فتح ولا أحد باستثناء معاوني ياسر عرفات وبعض مسئولي اللجنة الدولية للصليب الأحمر, حيت تم نقل الجنود الأسرى إلى الميناء ثم من الزوارق إلى سفينة فرنسية ترفع علم الصليب الأحمر تبعد 8 كيلومترات عن شواطئ طرابلس حيث قام شموئيل تامير رئيس الوفد الإسرائيلي باستلام الأسرى من مندوبي الصليب الأحمر.

وكان يتم في جنوب لبنان عملية مماثلة حيث توجهت قيادة الجيش الإسرائيلي إلى معتقلي أنصار فعرضت عليهم البقاء في لبنان أو نقلهم إلى الجزائر فاختار 3600 نقلهم إلى لبنان وتم نقلهم في 120 حافلة, إما الذين تم اختيارهم للجزائر فقد تم وضعهم في مجموعات صغيرة في معتقل أنصار وبدء نقلهم تحت حراسة مشددة إلى مطار اللد , إلى إن قامت الطائرات الفرنسية بنقلهم إلى الجزائر .

أسماء الجنود الستة الاسرائيليين - الياهو أبو طبل 20 عاما -  داني غلبوك 20 عاما - رفائيل حزان 21 عاما - رؤوبنكوهين 19 عاما - ابراهما فتلبسكي 19 عاما -  آفي كورنفيلد 20 عاما.

أما الأسرى فكانوا موزعين على النحو التالي ,

4700 أسير فلسطيني ولبناني في سجن أنصار، ذهب منهم 1024 إلى الجزائر وعاد الباقي إلى لبنان في مدنهم وقراهم ومخيماتهم . 65 معتقلاَ كان في سجون الداخل منهم 52 حكموا بالسجن مدى الحياة بينهم ثمانية من فلسطيني 48,

35 من تم احتجازهم في عملية قرصنة بحرية قامت بها السفن البحرية الإسرائيلية.

لقد كانت تصريحات الشهيد ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية القائد العام لحركة فتح ، حول عملية تبادل الأسرى في عام 83 كانت مثيرة وحساسة ونابعة من مصدر القوة والانتصار التي ظهرت على ملامح فخامة الرئيس الراحل الشهيد ياسر عرفات ، عندما وصف فيها عملية تبادل الأسرى الفلسطينيين والإسرائيليين التي تمت فجر يوم الخميس الموافق 24/11/1983 بأنها ( معجزة الثورة الفلسطينية) وقال أنها معجزة في مثل هذه الظروف السيئة التي نعيشها .

وقال أبو عمار , كنا مهتمين بإنقاذ الأسرى من أبطالنا الفلسطينيين واللبنانيين ، على رغم الوضع الذي نحن فيه ، وشدد أبو عمار في خطابه بأنه لا رابط بين العملية والتحركات الدبلوماسية الجارية لفك الحصار عن طرابلس ، وقال ياسر عرفات , اليوم أشعر براحة ضمير على رغم الحصار الذي أنا فيه ، عندما أرى ألاف العائلات اللبنانية والفلسطينية تستقبل أولادها العائدين المحررين اليوم ، وأنا أقول للجميع أنه رغم المؤامرات والمتآمرين فالأحداث تثبت دائما أن لا أحد يستطيع قهر الثورة الفلسطينية .

وحول تصريحات نائب القائد العام خليل الوزير  أبو جهاد بعد خطاب الشهيد ياسر عرفات قال للصحفيين بأن إسرائيل رضخت لمطالب ياسر عرفات لقاء الإفراج عن الأسرى الستة ، وأضاف خليل الوزير , إن الإسرائيليين حاولوا وضع بعض العقبات في وجهنا ، لكنهم في النهاية وافقوا على شروطنا.