حميد!!


آخر تحديث: November 14, 2017, 7:57 pm


أحوال البلاد
بقلم: رائد قاسم

اليوم جنازة حميد، توفي وهو في الستينات من عمره، من المفترض أن أكون ممن يحملون نعشه إلى مثواه الأخير، لأنه كان السبب في انتقالي لحياة جديدة مليئة بالرخاء والأمل، ولكني لا استطيع لأنه لا تربطني صلة قرابة أو حتى علاقة به، ولا املك إلا أن امشي في جنازته واحشر نفسي في الجموع الغفيرة التي جاءت لتشييعه ، ولكن ما سر علاقتي بحميد واهتمامي به؟ هذا ما سأرويه لكم... قبل عدة أشهر استيقظت في يوم عطلتي وتحديدا في الساعة الثامنة صباحا على وقع رسالة نصية، تضايقت من هذا الرسالة فقد كنت اخطط للنوم حتى الظهر ، أمسكت بهاتفي المتحرك لأقرا الرسالة المزعجة فإذا هي من البنك تفيد بأنه قد أودع في حسابي مليون دولار!!! طار النوم من عيني!! مليون دولار !! مستحيل!!! استيقظت زوجتي متسائلة عن سبب استيقاظي في مثل هذا الوقت المبكر فأجبتها بان رسالة شركة الكهرباء كانت السبب!! وسوف أغلق الهاتف لاستأنف نومي !! خلدت لفراشي مجددا إلا أن النوم كان قد طار بعيدا ، تقلبت على فراشي كثيرا حتى مللت زوجتي مني، فقررت مغادرة الفراش وشرب كوبا من القهوة ، قلت لنفسي انه بالتأكيد خطا وسوف يصحح، هذه أخطاء تحدث دائما ، أنا مثلا قبل عدة سنوات أودع في حسابي أكثر من خمسين ألف ريال لمدة يومين ثم سحبت بعد ذلك بهدوء، بالتأكيد هذا المبلغ سيعود إلى صاحبه، فقررت أن لا اهتم بالأمر ، حينها فقط عاودتني الرغبة في النوم فنمت بكل بساطة!! 
في الأيام التالية كنت أراجع حسابي لأرى إن كان المبلغ قد غادره أم لا ولكنه ظل كما هو ، انتظرت أسبوع آخر فكان الحساب دون تغيير، حينها قررت مراجعة البنك لكي ابلغ عن تحويل مبلغ ضخم في حسابي بالخطأ!! قطعت تذكرة المراجعة وانتظرت دوري ولكن ما أن قرب حتى كانت الهواجس تنتابني، إذ أن موظف البنك سيبلغ الشرطة أو مباحث الأموال العامة ولن أغادر البنك لمنزلي بل لغرفة التحقيق وربما توجه لي التهم وتثار حولي الشكوك!! قلت في نفسي سأسأله فقط عن مصدر المبلغ، ولكن قد يشك في الأمر إذ إنه من المفترض أن اعرف الشخص أو الجهة التي أودعت هذا المبلغ في حسابي، وربما يعمد إلى تأخير إجابة طلبي ريثما يبلغ الشرطة ، حينها قررت مغادرة البنك بهدوء، أثناء عودتي إلى منزلي راودتني نفسي لسحب مبلغ بسيطا من المليون دولار!! دخلت في صراع معها فغلبتني!! زحفت إلى الصراف وسحبت مائة ريال وكان السحب ناجحا تماما!! لم اعرف ماذا أفعل وكيف أتصرف ؟ هل أحول هذا المبلغ إلى حساب التوفير واحتفظ به أم ابحث عن مصدره لإرجاعه إليه، قررت نقله إلى حساب التوفير مؤقتا، راجعت البنك وطلبت تحويل المليون دولار من حسابي الجاري إلى حساب التوفير ، لم يبدي موظف البنك أي ارتياب ، بل تعامل معي بشكل طبيعي تماما، فقررت انتهاز الفرصة ....
- هل يمكن أن تزودني بعنوان المحول للمبلغ لأني فقدته واحتاج إليه؟. 
... بعد أن أنهى أجراءته تحويل المبلغ اصدر لي مستندا يحتوي على بيانات المودع ، ونادى على عميله التالي بكل انسيابية!!
غادرت البنك فورا وفتحت المستند ، كان المودع حميد ، وبقدر ما فرحت كان الحزن ينتابني لأنه يجب علي الان أن التقي بهذا الرجل لأرجع له ماله ، هذا هو واجبي وعلي أن افعل ذلك ، فقلت في نفسي سأذهب إليه غدا لأنهي هذا الكابوس الجميل!!
في اليوم التالي وبينما كنت مستغرقا في التفكير بأمر المليون دولار وكيف أنها سترحل عني إلى الأبد ، كانت نفسي توسوس لي بان أبقيها بل بان أحولها لبنك خارجي وارحل ، فهذا المبلغ سيجعلني غنيا وسعيدا إلى الأبد ، سأتمكن من شراء عمارة اسكن في إحدى شققها وأوجر الباقي ، وبعد ذلك سأتمكن من شراء عمارة أخرى ، وهكذا سوف أعيش برخاء إلى آخر عمري ، في لحظة انقطع حبل أفكاري الوردية برنين هاتفي المتحرك... 
- الو أنت حسن؟ 
- نعم من أنت؟
- اسمعني جيدا يجب أن أراك في اقرب فرصة بل الان إن أمكن.
لم أتردد في مقابلته ، ذهبت على الفور للقائه في المكان الذي حدده، كافي شوب بوسط المدينة ، كان رجل في منتصف الخمسينات من عمره ، يرتدي بدلة أنيقة ، رحب بي بحفاوة إلا انه كان قليل الكلام ، وبعد أن شربنا القهوة بدا بحديثه... 
- طبعا أنت تعرف لماذا أنت معي الان بالرغم من أننا لا نعرف بعضنا مسبقا؟
- تقريبا. 
- المليون دولار يحب أن تعود لي. 
- هل أنت حميد؟
- لا أنا صديقه.
أحسست حينها بأنني واقع داخل مشكلة حقيقية بل وسط صراع بين رجلين ولكني تماسكت أعصابي....
- أنا اعرف أن هذا المبلغ ليست من حقي. 
- ممتاز أنت رجل صالح ولأنك كذلك سوف أمنحك خمسين ألف دولار نظير أمانتك وشهامتك.
- نعم ولكني لن ارجع لك المبلغ!
- ماذا!!
- من حول المليون دولار إلى حسابي هو حميد وعلي أن أعيده له، وسوف افعل ذلك فورا. 
- أنت تتحداني إذن؟!
- أنا لا أتحدى أحدا، كل ما في الأمر انك لست الذي حول هذا المال إلى حسابي لأرجعه لك. 
انتهي لقائنا باحتقان ، قلت له إلى اللقاء فلم يجبني بل وحتى لم يمد يده لمصافحتي ، عدت إلى البيت وأنا خائف ، لا اعلم ماذا سيكون منه وماذا سيفعل، قررت الذهاب إلى حميد لإنهاء المشكلة، في صباح اليوم التالي استأذنت من رئيسي في العمل وذهبت إلى مقر شركة حميد ، طلبت لقاءه فقالوا لي انه مسافر ولن يعود قبل أسبوعين على الأقل هذا إن لم يكن أكثر، حاولت معهم أن يزودوني بأي وسيلة اتصال به ولكنهم رفضوا طلبي ، قلت لهم إن الأمر ملح ومهم ، ولكنهم أصروا على رفضهم ، وابلغوني إنهم سيخبرونه عن أمري حال عودته.
عدت إلى ممارسة حياتي الاعتيادية، التي مرت أيامها ثقيلة، فقد كنت خائفا من أن ينفذ ذاك الرجل تهديده لي، إلا أن أيامي ظلت هادئة.
بيد انه بعد مرور عدة أسابيع بدأت تصلني رسائل ترغيب وتهديد! إذ بدا الرجل يضع لي رسائل تحثني على الإذعان لمطالبه تحت عتبة البيت ! وعلى زجاج سيارتي ! لم استطع التحمل اتصلت به مهددا باني سوف ابلغ الشرطة فرد علي ضاحكا!!
- لماذا لم تبلغ الشرطة وإدارة البنك قبل اليوم؟ سيكون موقفك سيئا ، انت الان معنا في هذه اللعبة، انسحب بهدوء وأعطني المال واحصل على الخمسين ألف دولار وينتهي كل شي.
قلت له سأفكر في ما تقوله ، إلا انه حذرني من مقابلة حميد ، فتيقنت بانه قد عاد من سفره فسارعت للذهاب إليه ، إلا انه لم يكن موجودا! سالت سكرتيرته إذا ما كانت قد أخبرته بأمري فأجابت بأنها فعلت!! 
قررت أن ابلغ الشرطة لأنتهي من هذه المشكلة فلا أمل لي بالحصول على المليون دولار وأنا لا أريد أن ادخل نفسي في صراع بين شياطين المال.
عدت للبيت وقد قطعت وعدا على نفسي بان أراجع الشرطة وانهي الأمر برمته، ولكني تلقيت اتصالا جديدا ولكن هذه المرة من شخص آخر.
- أنا حميد!
صمت من المفاجأة ...
- مالك لا ترد علي؟
- وما أدراني انك حميد؟
ضحك بشدة..
- اسمعني أنا من أودعت في رصيدك المليون دولار. 
- وماذا تريد الان؟
- تعال لمقابلتي في فندق السعادة لنتحدث بشان هذا المبلغ، سأنتظرك في الساعة التاسعة مساء في الغرفة رقم 55.
أغلقت الهاتف وأنا في قمة قلقي، فانا الان في معمعة صراع لا اعرف إلى أين نهايته، في الليلة الموعودة كنت في محطة استقبال فندق السعادة، أخبرت الموظفين باني على موعد مع الأستاذ حميد ، فالمح احدهم بالإيجاب وطلب من احد العمال إيصالي لغرفته، حينها اطمأننت باني عند حميد فعلا وأني في أمان ، استقبلني حميد بالترحاب وأجلسني على مائدته العامرة بأنواع مختلفة من الأطعمة الفاخرة، اعتذر مني عن كل إزعاج سببه لي وتحدث معي بود..
- المبلغ يجب أن يعود بالطبع وأنا عندما أودعته في حسابك كان خطا مقصود!!
- مقصود!!
- كان علي أن أخفيه بأي طريقة حتى لا اضطر لدفعه لذلك المارق الذي يسعى للاستيلاء عليه من دون وجه حق. 
- وما قصتك معه يا سيد حميد؟
- لا تشغل بالك كثيرا.
- أتمنى أن تخبرني.
- سأخبرك باختصار، إن هذا المبلغ موجود في حساب الشركة التي كانت تجمعنا، وبعد تدقيق المحاسبين كان من نصيبي، وقد تنازل عنه بالفعل، إلا انه عاد يطالب به مجددا مدعيا باني خدعته وأخذت أكثر من حقي، وهو الان يريده بأي ثمن.
- لماذا؟
- لأنه قد خسر معظم ثروته خلال الفترات الماضية، والمليون دولار تعني له الشيء الكثير.
- فهمت الان.
- هذه حقيبة ضع فيها المبلغ واحضره غدا إلى هنا ، سأكون قد حجزت لك غرفة بجانبي، سلمها للأمانات ، وفي الليل أعطني إياها وسوف اكتب لك إيصال استلام مختوما بختم الشركة ومذيلا بتوقيعي،وسوف أعطيك مائة ألف دور مكافأة لك وتعويضا عن أيام القلق التي سببتها لك.
فرحت كثيرا بلقائي مع الأستاذ حميد، كانت المائة ألف دولار مبلغا ممتازا بالنسبة لي بل ثروة جاءت في وقتها، في اليوم التالي سحبت المبلغ كاملا وتوجهت من فوري لفندق السعادة ، وضعت الحقيبة في الأمانات وذهبت لغرفتي المحجوزة مسبقا، لم استطع النوم فقررت قضاء اليوم في ردهة الفندق ومرافقه، في الساعة التاسعة ذهبت للقاء حميد ، رحب بي كثيرا ، أخبرته باني أحضرت المبلغ ، فشكرني شكرا جزيلا ، كان العشاء جاهزا ، فاعتذرت عنه وطلبت منه أن اذهب لإحضار النقود فلقد تأخرت عن زوجتي، فأجابني إلى ما أردت، ما أن هممت بالمغادرة حتى تلقيت ضربت من غريمه قذفت بي نحو الأرض!!
- الان يجب أن نصفي حسابنا يا حميد ، أما المليون دولار أو تكون هذه الليلة آخر ليلة في حياتكما !! 
أجابه حميد بأنه إن فعل فلن يحصل على المال، إلا انه رد عليه بأنه سوف يهاجم مكتب الأمانات ويستولي على المبلغ مهما كان الثمن ، طلب منه حميد أن يتريث قليلا وان يهدأ... 
- حسنا سيذهب هذا الرجل الطيب لإحضار الحقيبة.
- فليذهب ولكن إن لم يأتي خلال عشر دقائق فسوق أقتلك. 
قلت لهما باني سوف اذهب واتي فورا وان النقود لا تهمني ولا أريد سوى العودة إلى منزلي ، ما أن أغلقت باب الغرفة متجها نحو المصعد الكهربائي حتى سمعت أزير الرصاص ، فقرعت أجراس الإنذار على أثره ، عدت فورا إلى غرفتي متابعا الأحداث من عدسة الباب ، شاهدت العشرات من موظفي امن الفندق يهرعون إلى غرفة حميد ، ثم تدفق رجال الإسعاف والشرطة ، بعد ساعة شاهدت المسعفين وهم ينقلون جثتين ، تيقنت إنهما تعودان لحميد وغريمه ، استلقيت على فراشي مرعوبا، ولم أجرؤ على الخروج حتى الصباح، ومع شروق الشمس تسللت بهدوء من غرفتي وكأن لا علاقة لي بما حدث ، ذهبت لأتناول طعام الإفطار ، الأجواء كانت طبيعية تماما، انتظرت ساعة أخرى وقررت مغادرة الفندق، ذهبت لإنهاء إجراءات المغادرة وطلبت حقيبتي ، استمهلني الموظف عدة دقائق وجاء بها ، كان قلبي يقرع بشدة ، وما أن وضعت يدي على حقيبة العمر حتى وجدت في وجهي رجل الشرطة!!
- هذه الحقيبة ملك لك ؟
- بالطبع. 
- هل سمعت بما حدث في ليلة البارحة من إطلاق النار.
- نعم سمعت ولذلك قررت عدم الخروج من غرفتي في الليلة الفائتة.
- ( بابتسامة) سلوك رائع ومسئول ، أتمنى أن يكون جميع الناس مثلك، فالبطولات الفارغة تورطنا في مشاكل نحن في غنى عنها.
- شكرا لك يا سيدي.
وبعد أن تأكد من اسمي وانه غير مطلوب وان الحقيبة تخصني سمح لي بالمغادرة، استقليت سيارة أجرة واتجهت من ساعتي إلى البنك حيث أودعت المال مرة أخرى في حساب التوفير، عدت إلى منزلي ثم إلى عملي ومارست حياتي العادية ، بعد عدة أسابيع أفرج عن جثة حميد، وأعلن عن يوم تشييعه، وها أنا ذا في جنازته ، أشيع الرجل الذي كان سببا في سعادتي مدى العمر ، عرفانا بالجميل وردا للمعروف. 
سوف اشتري لي بيتا وسيارة جديدة وأسدد كافة ديوني ، وسوف أتصدق بصدقة جارية باسم حميد ، وسأودع ما سيتبقى من المليون دولار كوديعة في البنك، بعد عدة أشهر ستضع زوجتي مولودها الأول وسيكون ولدا كما اخبرني الطبيب، وان صح ما يقول فسوف اسميه دون شك حميد.