أطروحة السلاح الناقصة


آخر تحديث: November 13, 2017, 3:35 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

يصعب إيجاد تفسير آخر، لهذا التكرار الممجوج والاستباقي، لشرط نزع سلاح المقاومة في غزة، وكأن لا مواعيد لاجتماعات أخرى في القاهرة، لحسم المسائل التفصيلية، وكأن صيغة الشرط، وهي ألا يكون هناك أي سلاح للمقاومة بجانب سلاح الجهاز الأمني؛ هي الأطروحة الوحيدة المتاحة، لاذ لا ينبغي أن يكف فريق عباس عن ترديدها و؟هار الاقتدار من خلالها!

 لا يختلف اثنان، على كون الأطروحة مرسلة الى الطرف الإسرائيلي والى الأمريكيين، وليس للطرف الحمساوي الذي سمعها وأجاب عليها، ولا للطرف المصري الوسيط، الذي سمعها أيضاً وأجاب عليها. وهنا يكمن الخلل السياسي أولاً مثلما تكمن العلة في الموقف الحقيقي لرئاسة السلطة من المصالحة الوطنية الفلسطينية!

في المُعطى السياسي للإطروحة الاستباقية والناقصة، يزاود الطرف العباسي على الطرف المصري الوسيط، وهذه رزيّة سياسية لها تبعاتها، ولا تنم إلا عن غباء. فلمصر علاقات ديبلوماسية واتصالات مع إسرائيل، ومع ذلك ترى من الخطأ ارتهان المصالحة والذهاب الى الاستحقاقات الدستورية الفلسطينية، لموضوع السلاح الذي يمكن تأطيره. في الوقت نفسه، يخسر عباس المناقصة، عندما يجعل الطرف المصري أحرص منه، على أن تظل قوة الدفاع الفلسطينية متاحة للشعب الذي يُفترض أنه شعب عباس والحمد الله وعطا الله. أما في المُعطى الأمني فإن التمسك بصيغة نزع السلاح، دون شرح كيفية النزع ودون اقتراح صيغ أخرى، ودون الجلوس مع الطرف الحمساوي لسماع اقتراحاته وبدائله؛ ينم كله عن استعلاء الصغار قصيري القامة بالمعيار السياسي وبمعيار المآثر الوطنية وبقياس درجات نجاح الحكم. فليس أقبح من أن يستعلي على الآخرين، قصيرو قامة في العمل العام وعاجزون عن اتستيعاب حيوية قرية فلسطينية في الضفة، أو يستعلي غير المفوضين، على الرأي العام في بلادهم وشتاتها. فمن أنت ايها السلطوي لكي تقرر وتستعلي فتختزل شرطك وتطرحه ناقصاً يلامس البذاءة؟ إن هؤلاء يستأنسون عند تكرار أطروحتهم، بالمال الفلسطيني الذي وُضع بين أيديهم، في مرحلة حالكة من تاريخ الشعب الفلسطيني، ويعتمدون أيضاً على وضعية التحكم الإسرائيلي في المال، سواء من خلال السيطرة على عمل البنوك وعلى مفتاح ضخ المستحقات الفلسطينية من دائرة المَقّاصة. لذا فإن اشتراطات العدو في موضوع المصالحة، تكون مطلوبة للبغاءات الذين يرددون أطروحتهم، وللمحتلين الذين يريدون السلامة التامة عندما يقترفون جرائمهم. لقد اصبح واضحاً أن نزع السلاح الفلسطيني في غزة، يلبي حاجة الطرف الإسرائيلي الأصلي وحاجة مقاول الباطن!

مشكلة العمل الرسمي أو السلطوي الفلسطيني، دائماً،  هي تأخير الرؤية أو حتى الاستغناء عنها، والتعجيل في الخطوات بلا بوصلة. هكذا كان الأمر في أوسلو، عندما بدأ التطبيق العاجل وبالجملة، للتسوية المفترضة وهي لا تزال في طور إعلان المباديء، بينما خطوات التنفيذ لم يكن يصح أن تبدأ قبل التوصل الى الاتفاق الشامل لكي يذهب الطرفان الى التنفيذ خطوة خطوة. لكن إطار الاتفاق ظل مفتوحاً، وهذا الذي ساعد العنصريين المتطرفين الى الانقلاب التسوية وساعدهم على قتل رابين. وبعد تكريس الانسداد، قتلوا الزعيم الفلسطيني لكي يأتيهم من يرون أنه حتى عندما لا يرضى أو لا يستطيع فإنه لن يحث شعبه على مقاومتهم!

 الطبيعي في كل تسويات النزاعات، هو أن يُبرم الاتفاق المُلزم بالجملة، ويصبح الطرفان يعرفان الى أي مرفأ يبحران، وتكون لديهما رؤية لما تم الاتفاق عليه، أما التنفيذ ــ وليس الاتفاق ــ فهو الذي يكون  بالمفرّق، خطوة خطوة!

عندما أعلن عباس عن موافقته على المصالحة، وأرسل حكومته الى غزة، هل كان مثلاً، يعتقد أن حماس ستطيعه وتنزع سلاحها؟ الجواب: قطعاً لم يكن يعتقد، ثم هو أصلاً لم يذهب الى إعلان موافقته على المصالحة، الا تحت الضغوط، ولم يرسل حكومته الى غزة، إلا لإظهار نوع من الجدية، قد يُحسب له عندما يحين وقت اختبار المواقف وتحديد المسؤولية عن الفشل. غير أن حسبته التي كانت ولا تزال خاطئة، هي توقعاته بأن يلقى المساندة من الوسيط المصري ومن الجوار العربي ومن الرأي العام الفلسطيني، عندما يضع العقدة في المنشار بخصوص سلاح المقاومة. ربما غاب عن ذهنه أن لموضوع وجود هذا السلاح مخارج أخرى عند الاتفاق على التفصيلات، دون أن يكف عن وظيفته كسلاح للدفاع عن النفس، ودون أن يتجاوز الى التدخل في عمل قوة حفظ النظام العام!