الإقليم بين الحرب والفوضى


آخر تحديث: November 13, 2017, 12:11 pm


أحوال البلاد
بقلم: حسن أبو طالب

كل من الحرب والفوضى خياران سيئان، والاختيار بينهما كالاختيار بين الموت شنقا والموت جوعا، كلاهما موت، وكلاهما نهاية للحياة. مصر من جانبها ضد الأمرين، ضد الحرب وضد الفوضى، ولكى تستقيم الأمور فهى أيضا ضد التهديدات الفارغة وضد التدخل المنهجى فى شئوننا وشئون الدول العربية الشقيقة، وهى مع الاستقرار الإيجابى الساعى إلى التنمية وتحقيق طموحات الناس عبر العمل والإنتاج، ومع حل المشكلات التى تنشأ بين الدول بالحوار وبدون تهديدات. وأى مقارنة تنتهى حتما إلى منطقية الرؤية المصرية، لا لشىء إلا أنها ببساطة تنشد الحياة وحمايتها ورقيها.

تقول أدبيات العلاقات الدولية إن الحرب هى فى الأصل قرار سياسى، وأنواعها ثلاثة، أولها هجومية تستهدف مفاجأة العدو بالضربة الأولى، وليس بالضرورة أن تحقق الانتصار، لأن العدو يمكنه أن يرد الضربة الأولى بضربة أقوى ومن ثم يستعيد المبادرة ويحقق الانتصار. وثانيها الحرب الدفاعية التى تُفرض على طرف ولا مجال للهرب منها لأنها تعنى حماية الأرض والعرض معا، وأصلها أنها ترد عدوانا غاشما. والثالث الحرب الوقائية الاستباقية وهدفها دفع العدو إلى حال فوضى وتشرذم وإنهاك قوته العسكرية والاقتصادية، ومن ثم تأجيل إمكانية أن يشكل تهديدا للطرف المُبادر بالحرب إلى زمن بعيد. وفى كل الحروب، فهناك ثمن ومعاناة وتضحيات وتكلفة بشرية وإنسانية تمتد أحيانا لسنوات طويلة. وفى الحروب أيضا يحدث عدم اليقين، فلحظة بدء الحرب يمكن معرفتها بدقة، أما لحظة انتهائها فهى فى علم الغيب، وقد تأتى بعد أسابيع قليلة أو تنتظر لسنوات. والأمثلة حولنا عديدة.

وحتى فى فترة ما قبل بدء حرب ما، فإن بعضا من الغموض يكون سيد الموقف، وربما يكون غموضا مقصودا ومخططا له، وربما يكون غموضا ناتجا عن تضارب شديد فى المواقف وبالتالى عدم القدرة على السيطرة على الأحداث. وما يجرى فى منطقتنا العربية الآن هو (عدم اليقين) ما قبل الحرب. وقديما وقبل التطورات التكنولوجية الهائلة فى الاتصال والحوسبة والأسلحة المعقدة وفائقة الدقة والباهظة التكلفة، التى تنتجها مصانع الغرب والشرق المتقدم ولكنهم لا يستخدمونها فيما بينهم، بل يستدعى آخرون لتجربتها ميدانيا على بشرهم وحجرهم معا، قبل ذلك كانت مقار الجيوش معروفة وتحركاتها مشهودة واستهدافها أمرا يسيرا، أما الآن فالحروب تجرى بين جيوش وميليشيات وبين قوى منتظمة ومعها قوى عسكرية رديفة سواء أخذت اسم حشد أو حزب أو تنظيم، ومعروف أن القوى المنتظمة أى الجيوش الرسمية تحكمها فى الحرب معاهدات دولية، ويراقبها عيون عدة منها منظمات حقوق الإنسان ومجلس الأمن الدولى ووسائل الإعلام المختلفة. ما يعنى أن هناك قدرا من المحاسبة ولو بعد حين. أما الحشد أو الحزب أو الميليشيا أو التنظيم فلا تحكمه أى اعتبارات قانونية أو إنسانية وقوته العسكرية تفعل ما تريد بدون حساب، والمهم لديهم أن يحققوا أكبر كمية من الخسائر البشرية والمادية لدى عدوهم.

ورغم الفوضى العارمة التى تمر بها منطقتنا العربية ونتائجها المهلكة، واتساع دائرة الحروب بالوكالة وعدم تحقيقها أهدافها الرئيسية التى حُددت لها فى البداية، وغلبة التعب على كل الأطراف فضلا عن الخسائر الهائلة، فما زال هناك من يتحدث عن حرب جديدة، وكأن حال الفوضى الممتد ست سنوات وما زال لا يكفى. والغريب فى الأمر أن الحرب التى يتحدث عنها كثيرون أو يرونها مجرد احتمال قوى بل وقريب، لا يحددون لنا من سيشن الحرب وعلى ماذا؟ والتلميح الغالب أن قوة خليجية عربية ربما تشن حربا على قوة إقليمية غير عربية أو ربما على امتداد لهذه القوة الإقليمية فى بلد عربى. ما بعد التلميح يُشار صراحة إلى المملكة السعودية وإيران وحزب الله. وهو أمر يبدو للعاقل مستغربا، فحزب الله ليس بجيش محدد المراكز، بل مقاتلون ومسلحون ومدربون على قتال المدن والشوارع يعيشون فى وسط المدنيين الذئن هم لبنانيون عرب سواء كانوا سُنة أو شيعة. وليس بعاقل من يتصور أن الرياض قد تفعل ذلك، فلا الواقع الجغرافى يسمح ولا القدرات القتالية تسمح ولا إدعاء بالانتصار يمكن بلوغه. ثم إن الرياض وموقفها تجاه لبنان وإن كان غاضبا من حزب الله غضبا شديدا كامتداد منطقى من الغضب تجاه إيران، فلا يعنى ذلك أن الغضب سيتحول إلى قرار حرب عسكرية كما تردد وكالات الأنباء الغربية. والأغلب أنه قرار ضغط اقتصادى ومعنوى وسياسى مُركب إلى حين تغيير بعض معادلات السياسة اللبنانية، وتلك بدورها لن تحدث إلا إذا كان هناك قوى لبنانية تنسق بالفعل مع الرياض على أعلى مستوى لغرض أن تتلقف العائد على الأرض، أما أن يحدث انتصار عن بُعد فهو غير قابل للحدوث. ناهيك عن أن الضغط بأنواعه له حدود ومن المرجح بقوة أن تصيب بعض شظاياه حلفاء الرياض أنفسهم، إن استمر الوضع على النحو الراهن.

هذا الاحتمال الذى يتحدث عنه البعض، يرافقه احتمال أقل قوة، وهو شن حرب على إيران نفسها، وتلك بدورها لم تقدم عليها الولايات المتحدة بكل ما لديها من جبروت عسكرى، ورغم الضجيج والصراخ الذى تتحدث به إدارة الرئيس ترامب تجاه إيران وخطرها، فإن كل ما انتهت إليه استراتيجية الرئيس ترامب الجديدة تجاه طهران هو العمل على تقليم أظافرها الخارجية وفى المقدمة الحرس الثورى الذى تم وضعه فى قائمة رعاة الإرهاب وليس قائمة المنظمات الإرهابية، والثانية أقوى من الأولى وأشد قيودا، وذلك جنبا إلى جنب الضغط على أذرع نفوذها المنتشرة فى عدد من البلدان كالعراق، ولا ندرى كيف والعراق بحكومته والعديد من قواه السياسية هم حلفاء مقربون للولايات المتحدة، أو فى سوريا وتلك مفهومة ومع ذلك لم نجد تحركا أمريكيا ضد قوات حزب الله الموجودة فى الأراضى السورية، وحتى التحرك العسكرى الأمريكى ضد الحوثيين فى اليمن، وهم ذراع لإيران لا شك فى ذلك، فهو تحرك رمزى أكثر منه تحرك فعلى. وإذا كان وضع أمريكا كذلك ضد من هم أذرع إيرانية فعلية، فمن هذا الذى يريد أن يحول الخليج إلى جحيم؟. لا أعتقد أن هناك من يريد أن يفعل ذلك لا فى الرياض أو غيرها من العرب. ولذا فالحرب مستبعدة والضغوط بأشكالها هى سيد الموقف.

 

عن جريدة "الأهرام"