الأقليات والمحدد الاقتصادي للانفصال


آخر تحديث: November 13, 2017, 12:08 pm


أحوال البلاد
بقلم: د. محمد خالد الأزعر

أحد أبرز الدروس التي يتعين ملاحظتها فقهياً من قراءة محاولتي انفصال الأكراد في العراق والكتالونيين في أسبانيا، يتعلق بأهمية المعطيات الاقتصادية في تعزيز طموح الأقليات إلى الاستقلال من عدمه.

تثور نزعة الاستقلال والسعي للانخراط أو التأطر في دولة كاملة الأوصاف، لدى جماعة معينة، عند وجود واحد أو أكثر من حقائق التمايز: العرقي القومي أو الثقافي اللغوي أو الديني أو الطائفي.. وتلح هذه النزعة أكثر فأكثر على الأقليات التي تعيش بكثافة في نطاق جغرافي (جهوي)، له ملامحه وأبعاده الواضحة داخل الدولة الحاضنة.

مع ذلك، يبدو أن تفاوت حظوظ الأقليات في أقاليمها وجهاتها من الثروات والموارد الاقتصادية وفرص النمو والازدهار، ضمن الشروط الحاسمة في اتخاذ قرار الانفصال. هذه فرضية لا يمكن استبعادها عند التأمل في المثلين الكردي والكتالوني ونظائرهما في دول أخرى. فعلى الرغم من كل ما يسوقه زعماء هذين الإقليمين من مبررات ومحددات لدعوتهم الانفصالية، تبقى ثقتهم الفائضة؛ القارة في وجدانهم، حول البحبوحة الاقتصادية لإقليميهما ورغبة الاستئثار بها في الحال والاستقبال، من أهم دوافع خطابهم السياسي الانفصالي. وتعظم إلحاحية هذا الجانب قياساً بغيره من المبررات، كلما زادت المؤشرات الدالة على توظيف هذا التميز الاقتصادي الجهوي، في غير صالح الأقلية التي تعيش بين ظهرانيه بشكل استثنائي.

بصيغة أخرى، عادة ما تراوح أهداف الجماعات أو الأقليات المسكونة بهواجس الهوية الذاتية المغايرة، بين مجرد أن تكون جماعتهم طليعة المستفيدين من الموارد والثروات التي تتوفر لأقاليمهم، وبين الرغبة في السيطرة الكاملة على هذه الموارد والثروات، عن طريق خيار تقرير المصير؛ بالقطيعة مع الدولة الأم والاستقلال كلياً في كينونة دولتية ذاتية لا شية فيها. وفي كل الأحوال، نحسب أن إحساس الغبن الاقتصادي؛ الذي قد يعتري أبناء الأقليات التي تعيش في أقاليم أو جهات ميسورة الموارد والفرص الاقتصادية، محفز عميق التأثير في تأجيج عقلية الانفصال.

معظم الداعين لاستقلال إقليمي كردستان وكتالونيا يندرجون ضمن نماذج المهرولين في اتجاه الخيار الأخير؛ ففي كردستان تقع أكبر حقول النفط العراقية، بإنتاج يومي يصل إلى 600 ألف برميل. يضاف إلى ذلك القطاعات الزراعية والسياحية الواعدة والإمكانات المتاحة للاستثمارات الصناعية والتجارية، وعليه، فإن الإقليم، من منظور النخب الكردية الانفصالية، لديه موارد متميزة ينبغي تكريسها لرفاهة سكانه؛ وهذا أمر مرهون بتحقيق حلم الدولة المستقلة. ويصح تماماً أن يقال مثل ذلك وزيادة عما يساور الكتالونيين؛ فإقليمهم هو الأغنى بلا منازع، قياساً بسائر أقاليم الدولة الأسبانية.

إذا صح الاعتقاد بالتأثير الكاسح لعنصر الاكتفاء الاقتصادي في نشوء فكرة الاستقلال؛ التي تراود بعض «الأقليات» داخل الدولة الواحدة، فهل يصح التصور ذاته بالنسبة لسياقات التجارب الوحدوية الإقليمية أوالقارية؟ الأمر هنا يبدو محيراً. ففي التجربة الاتحادية الأوروبية، مثلاً، نعثر على إجابتين متباينتين عن هكذا سؤال. لقد علل الانعزاليون البريطانيون نكوصهم عن الاستمرار في هذه التجربة بأنهم، إضافة إلى أسباب أخرى، إنما يريدون التخفف من الأعباء التي تلقيها عليهم الدول الأعضاء المأزومة اقتصادياً مثل اليونان وبعض دول شرق أوروبا. وفي الوقت ذاته، نجد أن دولة غنية ومزدهرة كألمانيا، تؤثر الدفاع عن حوزة الاتحاد، رغم الكلفة الاقتصادية الباهظة لهذا الموقف!

ربما تنقشع بعض سحب هذه الحيرة، حين نلاحظ أن فكرة الانفصال والخروج من عباءة التجربة الأوروبية، تبدو بعيدة كلياً عن ذهنية الأعضاء الفقراء نسبياً، كدول شرق القارة. فكأن الأقرب إلى المنطق واحتمال التعميم، هو أن التعلق بالشراكة الاتحادية قرين استشعار الضعف الاقتصادي والحاجة للآخرين.

 

عن جريدة "البيان" الإماراتية