أبو عمار : كلمة سر الوحدة الداخلية


آخر تحديث: November 11, 2017, 11:46 am


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

مختلف الاحتفاء بذكرى رحيل القائد التاريخي للشعب الفلسطيني, هذا العام, في قطاع غزة, ذلك أن توقيت المناسبة جاء بعد أن سلّمت حركة حماس, حكومة التوافق الوطني, مقاليد الحكم في قطاع غزة, وبعد أن كان حكم حماس في غزة, يتوجس في كل عام حين تحل هذه الذكرى, من احتشاد مئات الآلاف في ساحة الكتيبة بغزة, فكان يشترط حينا أن يجري الاحتفاء بالمناسبة في مكان مغلق, وحينا آخر, لا يوافق على إجراء الاحتفاء بحجج كثيرة, منها المناكفة بينه وبين السلطة في رام الله, حين تكون هناك اعتقالات على الجانبين, وما إلى ذلك .

ولأن حكومة التوافق, لم تتمكن "أمنيا" بعد من غزة, فقد أوكلت تنظيم المهرجان لتنظيمها في قطاع غزة, بقيادة الأخ أبو ماهر حلّس, الذي دعا جمهوره إلى عدم حمل السلاح, وهذا يدل على أن هناك وراء الأكمة ما وراءها, فالأخ أبو ماهر, يعرف جيدا بأن القاعدة الفتحاوية غاضبة على قيادة المقاطعة, بعد كل ما مارسته من تهميش تنظيمي أولا بحق أهل غزة الفتحاويين, ثم ما اتخذته من قرارات وإجراءات مجحفة, بإقصاء أهل غزة عن مؤسسات السلطة, حيث لم يعد بعد أحد عشر عاما, من وقف التعيينات, ومن عدم إدراج العلاوات والترفيعات بحقهم, ثم الخصومات من الرواتب فإجراءات التقاعد المبكر, إلا القليل من موظفي فتح في السلطة في قطاع غزة, ليصبح الحال, لاحقا, أمام احد خيارين, إما تعيين موظفي حماس في الشاغر الوظيفي بغزة, أو إستيراد الموظفين من الضفة الغربية !

ولعل الأيام التي سبقت عقد المهرجان, والتي شهدت العديد من أشكال التحريض والتشويش, والتي لوحظت في الدعوات التي كانت تصل للناس, خير دليل على أن هناك محاولات, لتوتير الأجواء, بهدف فتح نيران السياسة على التيار الإصلاحي, والذي يعتبر هو القاعدة الفتحاوية العريضة في قطاع غزة, مقابل الهيئة القيادية التي لا تتمتع بثقل جماهيري يذكر .

السؤال هنا, هو إن كانت رام الله تدخل بوابة إنهاء الانقسام, مدفوعة دفعا, وكأنها مجبرة, والدليل أنها لم تقدم على أي فعل من شأنه تشجيع الطرف الآخر, أو التأكيد على جديتها في رعاية هذا المسار, وعدم تراجعها عن الإجراءات العقابية الجماعية بحق كل قطاع غزة, فإنه من الواضح تماما, بأن هذه القيادة تصر في الوقت ذاته على إغلاق باب الوحدة الداخلية, وتأكيد التهمة التي تقول بأنها ومنذ احد عشر عاما, قد سارت على خطين متوازين: إدارة الانقسام الداخلي الجغرافي/السياسي بين فتح وحماس, بين غزة والضفة, من جهة, ومن جهة ثانية, تهميش حركة فتح في غزة لأضعاف قدرة الشعب عن مواجهة سلطة حماس, وإسقاط الانقسام, وفي الضفة لصالح الأجهزة الأمنية وإحكام سيطرة النخبة البيروقراطية التي تتبع الرئيس, إن كان في حركة فتح أو في الحكومة .

وحين نهض الشباب الفتحاوي المخلص لنهج أبو عمار الكفاحي, كان من الطبيعي, أن تتصدى له قيادة التهميش وإدارة الانقسام, وكان من الطبيعي أن ترفض كل محاولات الجوار العربي, بما في ذلك خارطة الطريق المصرية قبل بضعة شهور, لرأب الصدع أولا داخل حركة فتح وتاليا داخل البيت الفلسطيني, والتفاهمات التي جرت بين تيار أصلاح فتح وحركة حماس/غزة, هي التي أجبرت فتح الضفة وحماس الخارج على الدخول في مسار إنهاء الانقسام, ولكن على مضض وبتردد .

موظف رئيس السلطة الأول يقول بأنه حين تتسلم حكومته الأمن تكون قد تمكنت من غزة 100%, وبذلك يتضح بأن هناك إصرارا, على التراجع عن خيار إنهاء الانقسام في أية لحظة, من خلال الإصرار على أن تنفرد نخبة التنظيم والسلطة برام الله بالحكم, ومن خلال الاستمرار بالسير على طريق البيروقراطية الفاسدة .

لا يعقل ولا بأي شكل من الأشكال, ولا بأي حال من الأحوال, أن تمر ذكرى أبو عمار_ الذي اعتمد الوحدة الداخلية, في ظل وجود الكبار, طوال قيادته لحركة فتح, كلمة سر لتعملق الحركة واستمرارها في قيادة الثورة الفلسطينية طوال أربعة عقود, واعتمد الوحدة الوطنية ككلمة سر لبقاء فلسطين الرقم الصعب في المعادلة الإقليمية_ في ظل انقسام داخلي, هو في الحقيقة استمرار لإقصاء النهج الكفاحي من حركة فتح, ومحاولة تحويلها إلى حزب أخضر, لا يقاوم إلا بالاحتجاج السلمي, الذي يتوافق مع طبيعة الرجل الذي يقف على رأس الحركة, والذي لم ينطق يوما بكلمة مقاومة مسلحة مشروعة, ولم يسبق له شخصيا أن انخرط في الكفاح المسلح, أو خاض معركة مع العدو, وكأن الصراع الفلسطيني/الأسرائيلي أنما هو خصومة سياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين !

الأمر أذا, فيه الكثير من الدلالات الخطرة, منها التنكر لأرث ياسر عرفات نفسه, الذي قاوم الاحتلال بالسلاح, وعاش كل حياته وهو يرتدي زي الفدائي, ويتمنطق بالمسدس على جنبه, دليل ورمز العزة والكرامة الوطنية, ومنها, الإصرار على تدمير حركة فتح, والاستمرار في التعامل مع كادرها وأعضائها وفق منطق الاسترزاق خاصة في العلاقة مع السلطة, وإقصاء كل من يؤمن بالنهج الكفاحي/المقاوم, ومن ثم محاولة, بث الرسالة لإسرائيل أولا ومن ثم لأوساط الأمن الأمريكي والأوروبي, الذين يرون المصالحة مع حماس, ما هي إلا محاولة لتجريد المقاومة من سلاحها, وهذا لا يقتصر على القسام وسرايا القدس بالطبع, بل وعلى كتائب الأقصى .

من جاءوا من رام الله لغزة, يرى في إنهاء الانقسام, سبيلا لنيل شهادة حسن السيرة والسلوك من الجانب الأسرائيلي, لذا يصرون على القول بأن "تمكين الحكومة" لن يكون إلا بسيطرتها على الملف الأمني, ولا يقولون _مثلا_ بجعل هذا الملف فوق الحكومة, أي يدار كملف حرب مع ملف السلم من الكل الوطني, وهذا يترافق مع قول سلطة رام الله _وحدها_ بفتح معبر رفح وفق 2005 , حتى يتسنى لإسرائيل منع من تريد معاقبته من السفر .

آخر من أنضم لمن يرون في تمكين الحكومة, إخضاعا لغزة, مدير عام الشرطة, الذي استنكر أن يكون مسئولا عن الشرطة في ظل وجود المقاومة في غزة, ونسي أنه يقوم بمهمته في الضفة في ظل وجود الجنود الإسرائيليين وحواجزهم ومستوطنيهم المسلحين . وكل هذا يشير دون ريب, إلى أن أجهزة امن السلطة تسعى لأن تفعل بغزة ما فعلته بالضفة من إحباط لروح المقاومة .