حِيْنَ يُعَتَقَلُ الشُهَدَاءُ


آخر تحديث: November 8, 2017, 10:17 pm


أحوال البلاد

تقرير محمد عابد

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي مساء أمس الأحد  انه تم إخراج  جثامين شهداء نفق سرايا القدس والذي تم قصفه الاثنين الماضي  شرق خان يونس جنوب قطاع غزة, لافتاً إلى أنهم بحوزته الآن , فيما وقال ما يسمى بــ رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست  ورئيس جهاز الشاباك الأسبق افي ديختر الأحد،  في رده على احتجاز جيش الاحتلال لجثامين الشهداء الخمسة من سرايا القدس، إن الجثامين الخمسة التي أخرجها الجيش من داخل النفق ستكون بمثابة ورقة مساومة ضمن المفاوضات للإفراج عن الجنود الإسرائيليين الأسرى لدى حماس , ليضافوا هؤلاء الشهداء وبحسب التقديرات إلي شهداء الأرقام .

ويأتي هذا الإجراء الصهيوني لأن إسرائيل لم تجد من يفرض عليها عقوبات دولية ضد ما تفعلها مع الفلسطينيين الأحياء من جرائم ، فهي لا تزال مستمرة في انتهاكاتها ضد الفلسطينيين، ولكن هذه المرة مع الأموات منهم عن طريق الدفن في مقابر الأرقام مقابر تفتقد لكل المعايير الصالحة للدفن، ومن الجدير ذكره أن إسرائيل أنشأت هذه المقابر منذ عام 1948 كعقاب للشهداء الذين قاموا بتنفيذ عمليات استشهادية ، وما زالت تحتفظ إسرائيل بالعديد من جثث الشهداء في هذه المقابر حتى الآن. في هذا التقرير عرض لقصة مقابر الأرقام ومعرفة الأسباب وراء احتفاظ إسرائيل بجثث الشهداء , ومدي قانونية هذا الإجراء وهل ستشكل هذه الجثامين ورقة ضغط حقيقية على المقاومة الفلسطينية ؟!

يقول الباحث في الشئون الإسرائيلية خميس نصر أن مقابر الأرقام هي عبارة عن مقابر سرية تستخدمها إسرائيل من أجل دفن جثث الشهداء من الفلسطينيين،  وأنشأت هذه المقابر بعد احتلال إسرائيل لفلسطين في نكبة 1948، والتي شهدت أول عملية دفن جماعي للذين قتلوا في هذه الحرب, وقد تمت عملية الدفن بطريقة عشوائية، وسُميت مقابر الأرقام بهذا الاسم، لأن كل قبر يحمل رقمًا مسجلاً يكون بديلًا للأسماء, على لوحة من الصفيح، وتقول إسرائيل أن هذه الأرقام هي أرقام لملفات الضحايا التي تحتفظ بها الجهات الأمنية الإسرائيلية، وليست لرقمهم التسلسلي وفقًا لتاريخ قتلهم ودفنهم , ولا أحد يعرف العدد الحقيقي لتلك المقابر إلا أنه تم اكتشاف أربعة مقابر فقط .

وأضاف الباحث نصر أن العديد من الانتهاكات الإسرائيلية ترتكب بحق ألئك الشهداء فتلك المقابر مليئة بالكلاب البرية التي تلتهم أشلاء جثث نبشتها، هذا بالإضافة إلى عدم دفن الجثث بطريقة جيدة حيث يتم دفنها بشكل جزئي أو في أكياس بلاستيك من الممكن رؤيتها بسهولة، ولم تكتفِ الانتهاكات عند هذا الحد في مقابر الأرقام، بل وصلت إلى اختفاء الجثث في هذه المقابر ولعل من أبرز هذه الجثث هي اختفاء جثة الشهيدة دلال المغربي، وحدث هذا أثناء نقل رفات الشهداء من هذه المقابر في أثناء عملية تبادل جثث الشهداء بين الاحتلال وحزب الله اللبناني، وهذا ما أكد عليه الأطباء بأن كل الجثث الموجودة التي تم نقلها من القبر الجماعي الذي دفنت فيه دلال المغربي مع أفراد مجموعتها بأن كل الجثث رجال.

وأكد نصر أن الهدف من وراء احتجاز جثامين الشهداء هو سرقة أعضائهم ومن ثم وضعها بدل أعضاء في مرضي صهاينة, وشدد نصر على أنه وقبل عدة سنوات بثت العديد من الأدلة التي تؤكد سرقة قوات الاحتلال الإسرائيلي لأعضاء شهداء فلسطينيين، ولاسيما بعد التقرير الذي نشرته إحدى الصحف السويدية قبل سنوات، عن سرقة أعضاء الشهداء الفلسطينيون، وظهور العديد من أشرطة الفيديو التي توثّق ذلك، حيثُ كشفت البروفيسورة الإسرائيلية مئيره فايس، المتخصصة بمجال الأنثروبولوجي، عام 2002م، النقاب عن سرقة أعضاء من جثث الشهداء الفلسطينيين من أجل زرعها في المرضى اليهود، أو استعمالها في كليات الطب في الجامعات الصهيونية، من دون علم ذوي الشهداء، وقالت، في ذلك الوقت فايـس في كتاب أصدرته سابقًا، إنها زارت معهد التشريح الطبي في أبو كبير بين أعوام 1996م- و 2002، وأعدت كتابا عن تعامل المعهد مع جثث الصهاينة، خاصة تشريح جثة رئيس الحكومة السابق إسحاق رابين بعد اغتياله، وكذلك تشريح جثث الجنود والفلسطينيين من داخل الأراضي الفلسطينية والأراضي المحتلة عام 1948. وأوضحت البروفيسورة أنه تبين لها أنه يتم في المعهد الطبي فصل جثث الجنود واليهود عن جثث الفلسطينيين، ويمنع منعا باتا استئصال أعضاء من الجنود، أما جثث الفلسطينيين فيتم استئصال أعضائهم وإرسالها إلى بنك الأعضاء، من أجل زرعها في المرضى أو إلى كليات الطب لإجراء الأبحاث، دون علم ذويهم. كما وأضافت إنه في انتفاضة الحجارة الأولى، التي انطلقت عام 1987، وصلت جثث كثيرة لفلسطينيين، وتم بأمر عسكري تشريحها وسرقة أعضائها، وقال عدد من العاملين في المعهد الطبي إن تلك الفترة كانت “الفترة الذهبية”، التي تم بموجبها سرقة الأعضاء دون رقيب وبحرية تامة، مؤكدين أن ما كان يجري أمر غير قانوني البتة، لكن العاملين في المعهد نفذوا أوامر عسكرية.

وفي ذات السياق يقول منير الوادية الخبير في الشأن الإسرائيلي أنه ليس فقط الأعضاء البشرية التي يتم سرقتها بل جلود الشهداء أيضاً، وفق ما كشفته مديرة بنك الجلد الإسرائيلي، ملكا شآووت، في التحقيق التليفزيوني الذي بثته القناة العاشرة الإسرائيلية في شهر مارس الماضي، إذ أكدت بأن احتياطي إسرائيل من "الجلد البشري"  قد وصل إلى 170 متراً مربعاً.

الرقم السابق لمخزون إسرائيل من الجلد البشري والمحفوظ داخل بنك الجلد الإسرائيلي، أنشئ عام 1985، يثير مخاوف من  اعتماد الاحتلال على جثث الشهداء الفلسطينيين والعمال الأفارقة في الحصول على قطع الغيار البشري، نظرا إلى أن هذه الأمتار المربعة من الجلد البشري لا تتناسب مع عدد السكان في إسرائيل، إلا أن "بنك الجلد الإسرائيلي" تحول إلى أكبر بنك جلد في العالم على الرغم من أن عدد سكان إسرائيل أقل كثيراً من الولايات المتحدة الأميركية، والبنك الإسرائيلي أنشئ بعد 40 عاماً من إقامة "بنك الجلد الأميركي".

 تحقيق القناة العاشرة الإسرائيلية يوضح أسباب تصدر إسرائيل المرتبة 33 من أصل 55 دولة أوروبية في زراعة الأعضاء، مقارنة بعدد السكان وفقاً لتقرير لجنة زرع الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية نهاية عام 2007، وهو التقرير الذي وضع إسرائيل أيضاً في الدرجة 18 بالنسبة إلى زراعة القلب، الذي لا يمكن أخذه إلا من شخص تُوفي حديثاً, والمفارقة هي أن إسرائيل تحتل المرتبة الثالثة في رفض سكانها التبرع بالأعضاء حسب التقرير المذكور.  

و ويضيف الوادية أن إسرائيل مازالت تحتفظ بالعديد من جثث الشهداء في مقابر الأرقام، من أجل إخفاء الجرائم التي ترتكبها بحق الشهداء الفلسطينيين، وحتى لا تتعرض إسرائيل لعقوبات دولية نتيجة لارتكابها جرائم حرب في حق الفلسطينيين.

وكذلك وبحسب الوادية فان إسرائيل تحتجز الشهداء في مقابر الأرقام، من أجل استخدامها كورقة مساومة في المستقبل من أجل تبادل الأسرى بين فصائل المقاومة والاحتلال الإسرائيلي، بالإضافة إلى عقاب أهالي الشهداء وحرمانهم من أبنائهم في حق دفنهم وفقًا للشريعة، وكعقاب للفلسطينيين من أجل منعهم من القيام بأي عمليات استشهادية بعد ذلك.

ومن الجدير ذكره أن العديد من التقارير التي اتهمت جيش الاحتلال الإسرائيلي بقتل الشباب الفلسطينيين بهدف سرقة أعضائهم , نذكر من بينها تقرير الصحيفة السويدية اتهم الاحتلال بسرقة أعضاء شهداء فلسطينيين ,  واستند بذلك إلى قصة الشاب الفلسطيني بلال أحمد رنيان الذي أطلق عليه جيش الاحتلال النار ونقله بمروحية إلى مكان مجهول وأعاده بعد 5 أيام لعائلته وهو مضمّد بضمادات مستشفى التشريح، ووجد على جسده آثار لجرح امتد من وجهه إلى معدته، مما أثار الشكوك حول تعرض أعضائه للسرقة.

وكذلك تقرير لقناة بي بي سي البريطانية  الذي كشف أن مقابلة أجرتها الأكاديمية الأمريكية عام 2000 مع د. يهودا هيس، مدير معهد الطب الشرعي، وتم التحفظ عليها لعشر سنوات، بيّنت أن المعهد كان شريكاً أساسياً في سرقة أعضاء وأنسجة من الفلسطينيين بطرق غير قانونية في التسعينات، فقد راجت سرقة القرنيات وقطع من الجلد وصمامات القلب وعظام من مناطق محددة، وأن الأطباء كانوا يغلقون عيون الجثامين بغراء وصمغ حتى لا يكتشف الأهل سرقة القرنية.

مما سبق لا أحد ينكر أن هذا الاحتلال المُجرم يحتجز جثامين الشهداء الطاهرة بهدف سرقة أعضائهم البشرية، ومن ثم  وفي حال تم تسليم تلك الجثاميين , فإنها  تسلم بعد سرقة أعضائهم , لذلك على السلطة الوطنية الفلسطينية توجيه هذا الملف لمحكمة الجرائم والجنايات الدولية، ومعرفة الجوانب القانونية لهذه القضية الخطيرة لاستخدامها في القضايا المنوي رفعها على الحكومة الصهيونية أمام المحاكم الدولية

ومما سبق يتضح أن هدف الكيان الصهيوني منذ احتلال فلسطين 1948، أن يجعل الإنسان الفلسطيني شخصًا بلا هوية وأن يصبح مجرد رقم.