صرخة ُ لاجئ " لا تصالح "ٍ


آخر تحديث: October 12, 2017, 5:44 pm


أحوال البلاد
بقلم: د. إسعيد العماوي


" لاجئ " .. كلمة ٌ تترك غصة ً في الحلق ِ، كلمة ٌ أشد ّ مرارة ٍ من العلقم ِ، حقائبُ سفرٍ و مطارات ٌ، و تيه ٌ و غربة ٌ بلا نهاية.

لا أعلم لماذا اليوم بالذات و بعد تسعة ٍ و خمسين عاما ً لم أعد قادراً على حمل ِ حقائب السفرِ و لم تعد كل كؤوسِ الدنيا تنسيني غربتي.

في غرفتي تلك جلست مكوّراً رأسي، و لا زالت تلك الساعة القديمة المعلقة على الحائط الغربي تدق و عقاربها يتقابلان و يفترقان ليعودا للقاء مرة أخرى، ألف مليون مرة تقابلا و افترقا وطوت معها سنين عمرا من غربة لغربة، و ذاكرة صَدِئة لا زالت تحمل كل تفاصيل الوطن من حقول و شوارع و بيوت.

و خريطة لفلسطين علقت بعناية بجانب الساعة، ألوانها بهتت من مر السنينِ و لم يعد واضحاً من معالمِها إلا القليل القليل.

شارع ترابي صغير كان يربط قريتنا بالطريق الرئيسي، شارع ترابي تصدف الحقول بجانبية بحلة خضراء و الأشجار تسير معك على طول الشارع لتؤنس وحدتك حتى تصل القرية، لتستقبلك البيوتُ الصغيرةُ الجميلةُ المتواضعة و ينعم صدرُك برائحةِ الياسمين و خبز الطابون، ولا تغادر أذنيك غناء الطيور.

في تلك القرية و بجانب أشجار الصنوبر و التوت و التين؛ في ذلك البيت الذي يحتضنه الحقل كنت أعيش في كنف أسرة سعيدة، والدي كان مزارعاً يعشق الأرض.. عشقت رحلة َ الظهيرة كل يوم و أمي تحمل الطعام لأبي في الحقل فيجلسني في حضنه و يفترش الأرض َ و نأكل سويا ً، أحببت الأرض و أحبتني وكم كنت أتمني لو أني شجرة جذورها عميقة في تلك الأرض.

و بعد سنين قليلة جاءت الغربان لتهاجم قـُرانا فتقتل و تشرد.. أذكر ذلك اليوم.. يوم جاء أبي هلـِعاً إلي البيت ولم يكن يحمل فأسا كعادته بل كان يحمل بندقية.. و قال لأمي و هو يلهث أن اليهود على مشارف القرية.... كانت أمي تبكي بحرارة و هي تلملم بعض الأشياء و تحملني و تغادر....و أبي بقى مع رجال القرية ليدافعوا عنها....

مات أبي و سقطت القرية في أيدي اليهود.

و سرنا أنا و أمي نحو المصير المجهول... سيلٌ من الناسِ كان يسير أمامنا و خلفنا لا أحد يعلم أين يذهب.

حط بنا الرحالُ في مخيماتٍ وضيعةٍ، لم تتحمل أمي ما جري فلحقت بأبي، و التحقتُ أنا بعمي الذي سافر لدولة عربية لأبدأ حياة جديدة باسم " لاجئ "....

كنا ننتقل من بيتٍ لبيت و في كل مرةٍ نحملُ حقائبَ السفرِ مرةً لنملأها و أخرى لنفرغها، قضيتُ عمري بين حقيبةٍ ملأى و أخرى فارغة.