محت اسمه على الفيسبوك!


آخر تحديث: October 12, 2017, 5:43 pm


أحوال البلاد
بقلم: ميسون أسدي


خلال جلسة عمل مهمة له مع رجل أعمال من الإمارات العربية، إذ برسالة تصله على الفيسبوك على شاشة جواله، من "مي العطار"، تطلب منه إضافتها كصديقة له.
لم يصدق عدنان ما تراه عيناه، فها هي تلك الفتاة التي حفر اسمها في مخيلته منذ سنوات طوال، توافق على مصادقته على الفيسبوك.. فكر عدنان مليا بهذا الاسم "مي العطار" الذي لا ينساه أبدا، رغم أنها تكبره بسنوات، وكانت مدرّسة عندما كان فتيّا في أول هبوبه، تعود اليوم إليه عبر الفيسبوك، وتؤجج مشاعره وهو الآن جد لثلاثة أحفاد، وهي متزوجة ولها ولدان وبنتان.. 
قبل أن ينقر عدنان بأصابعه الغليظة على جواله، ويقبل صداقتها، تلألأت أمام عينيه أسنانها البيضاء ومبسمها الجميل ومؤخرتها التي داعبت أحلامه، منذ أن كان في الصف الثامن وهي كانت سنة أولى جامعة. وتراءت له الدنيا مرتعا يمرح في جنباتها.
انفرجت أساريره، ثم انقبضت ثانية، حين عاد إلى مخيلته، أستاذ اللغة العربية فضيل، والذي ضبطه في حصته وهو يحفر على طاولة المدرسة الخشبية اسمها بشرود واستغراق وإطراق. اقترب منه الأستاذ قائلا بصوته المخنوب: لماذا "مي العطار"؟ سأنتزع أرنبة أنفك بيدي، يمكنك أن تحب ابنتي فهي من جيلك وليست "مي العطار" التي تكبرك سنا، وصيتها يسبقها في كل مكان. ثم قرصه بأرنبة أنفه.
رد عليها "عدنان" برسالة على الفيسبوك، مفادها، بأنه يعتز بصداقتها خاصة وأن لهما ذكريات مشتركة جميلة معا، وأصر على لقائها ليبوح لها الآن وهما كبيرا السن، بما اختلج في قلبه من مشاعر طفولية.
اتفقا أن يلتقيا في أحد المطاعم الفاخرة في حيفا، وطلب منها إذا أمكن أن تشتري بطريقها بعض الألعاب الخاصة من دكان في الكرمل ليقدمها إلى أحفاده بعد عودته إلى البيت.. فهو غير ملمٍّ بشوارع حيفا.
اشترت "مي العطار" الألعاب التي طلبها عدنان وذهبت إلى اللقاء. ما أن التقيا في المطعم، حتى ضمها بشدة وكاد يعصرها بيديه، بمجرد جلوسهما على الطاولة، تناول يدها وأخذ يقبلها. ردد على مسمعها عشرات المرات كم يهيم بها، منذ زمن. أما هي فلم تفهم لماذا يتصرف على هذا النحو، والمعرفة بينهما لا تستوجب هذه الحرارة.
- من أين لك هذه المشاعر الجياشة تجاهي؟
استقام عدنان في جلسته وأخذ هيبة الممثل الذي يقف على خشبة المسرح، تنحنح وقال: لن تصدقي أنه قبل أيام دخلت إلى مقهى "كوندوتوريا" في شارع ديزنغوف في وسط تل أبيب لاحتساء فنجان قهوة، فاستوقفتني منجِّمة دون إنذار، تجلس في ركن محاذ للمقهى، وأخبرتني: ستقع في حب امرأة تكبرك سنا وبينكما قربى دموية، اسمها "مي العطار" ستهيم بها عشقا، وستبادلك ذات الهيام، رغم أنها متزوجة وأنت متزوج، ولكن لا مناص من القدر الذي لا يمكن صده. 
ضحكت "مي العطار" من الحكاية، فقال لها بكامل الجدية: لم آخذ كلام المنجمة على محمل الجد، ولكن عندما رأيتك على الفيسبوك تأكدت النبوءة..لا تضحكي، فحبك يطاردني منذ بلغت 13 عاما.. 
صمت عدنان ونظر إلى مي، فنظرت إليه وكأنها تقول له أكمل الحكاية.. لكنها عندما فهمت نظرته التساؤلية، قالت له: أنا لا أعرف عنك إلا القليل ولا أذكرك إلا لماما، فما هي قصة حبك هذه؟!
فبادرها بقوله: اسمعي يا مي، أنا اليوم رجل أعمال ناجح ومقتدر. أشارك في مؤتمرات في البلاد وخارجها، يوم في ميامي ويوم في ميلانو أو البرازيل أو عمان أو بيت لحم أو في مدننا وقرانا الفلسطينية المحلية. تحوم حولي عشرات النساء لجمالي ومالي، فكما ترين أنا طويل القامة جليل المقام مَهيب الطلعة. وأنا شخصية ذات مكانة سامية شاهقة، رجل جياش العاطفة ينفعل ويثور بسهولة.
ثم اعترف "عدنان" بلا خجل أمامها، بأنه يفضل لقاء شابة لا يعرفها مقابل مبلغ صغير من المال، فيستعمل الواقي المطاطي، وتنهي علاقته بها مع انتهاء المضاجعة وعلى الدنيا السلام.
استرسل عدنان في كلامه كأنه يقدم مونولوجا حفظه عن ظهر قلب: بعد أن شاهدتك يا مي العطار على الفيسبوك، تذكرت المعلمة سلوى في درس الجغرافيا وهي مشغولة بشرحها المسهب عن استعمال الخارطة، وضعت يدي في جيبه بالصدفة، وإذ بي اكتشف ثقبا كبيرا يصل حتى ملابسي الداخلية التي نسيت أن ألبسها في ذاك اليوم فاصطدمت أناملي بأعضائي الجنسية ولاحت بفكري صورة حبيبتي "مي العطار" وشعرت بشهوة خارقة صلّبت أعضائي وجسدي وأحاسيسي، وإذ بصفعة لاسعة على وجنتي تلقيتها من معلمة الجغرافيا، وكأن سيارة شحن صدمتني لأفيق من غرقي في شهوتي. انتفضت في مكاني، ولولا الحياء والخجل، لكِلتُ لها الصاع صاعين، والذي حال دون أن أفعل ذلك، ما تفشى وانتشر وبلل بنطلوني.
قالت له مي وهي بين مصدقة ومكذبة: كل هذا الذكريات ولم تكلمني أو تصارحني بشيء!؟
أكمل عدنان مونولجه دون أن يبدي أي اهتمام لما قالته: وحين نلت رخصة قيادة السيارة، وعرفت أنك تعودين من الجامعة إلى بيت ذويك يوم الخميس، انتظرك في مدخل البلد الذي يبعد مسافة عدة كيلومترات عن القرية، حتى أقلك إلى بيتك. واضطررت أن أنقل العديد من أهالي البلد المنتظرين الحافلة هناك، إلى أن حضرت أنت وكنت مترددة في الصعود إلى سيارتي ولكنك صعدت، ألقيت حقيبتك الكبيرة على كرسي السيارة الخلفي وجلست بقربي. وددت أن أفاتحك بحبي ولكني لم أجرؤ، ومضى الوقت كلمحة بصر فإذا بي أمام مدخل بيتك، فقلت لك دون أن أشعر بما أنطق "شفتاك كحبات الحصرم، وأود فقشهما بين أسناني وأن أتذوق حموضتهما". لم تجيبي، فنزلت من السيارة. بصقتِ أرضا وأغلقتِ باب سيارتي ودخلتِ بيتك.
استغربت مي القصة فهي لا تذكر منها ولا كلمة، واعتقدت للوهلة الأولى بأن ذاكرتها تخونها، ثم قالت: بصراحة أنا لا أذكر شيئا مما قلته!!
استمر عدنان في حديثه وكأنها لم تقل شيئا: تماما كما قالت لي المنجمة. ما يحدث بيننا ليس من فعل إنسان، إنه فعل إلهي، يجمع ويؤلف بين الناس ولا سيطرة لنا عليه. نحن حجارة شطرنج، القدر يحركنا من مربّع إلى آخر.
نظر عدنان إليها نظرة متفحصة، وكأنه أمام أحد زبائنه الذين يريد أن يتمم معهم صفقة معينة، ثم قال بثقة متناهية: قبل ثلاث سنوات خلال زيارتي للندن. دعاني أحد أقاربي إلى العشاء في بيته وخلال العشاء رفع المضيف كأسا في صحة الجميع فقلت: هذا النخب بصحة "مي العطار" ورويت لهم حكايتي معك وأنا طفل ثم شاب يانع وحتى رجل في الخمسينيات.
أرادت مي أن تغير مجرى الحديث، فقالت له: ألا تريد أن تشرب شيئا؟ 
طلبت مي كأس نبيذ أحمر وهو طلب كأس عرق، وبين الفينة والفينة يقرع كأسه بكأسها متمنيا شيئا ما أثار حفيظتها. ثم أخرج من جيبه ورقة وقال لها إنه كتب لها فجرا قبل لقائهما قصيدة شعرية تتألف من خمسين بيتا، وأخذ يقرأها، وبين البيت والبيت كان يتوقف وهو مطأطئ الرأس، كي يحبس دموعه، ويهدئ شعر بدنه المنتصب. قبّل يدها عدة مرات، وشدا في سقسقة مسكرة.
كان "عدنان" نرجسيا، كثير الحديث ومزعجا ولم يكد يسمعها، طلب لها كأسا أخرى من النبيذ الأحمر، ولنفسه كأس عرق مع كعكة "ليالي بيروت"، اقتطع لقمة من الكعكة وحاول إطعامها بيده ولكنها ارتدت إلى الوراء بحجة أنها لا تحب الكعك ولكنها في الواقع شعرت بأنه متحرش، يعتدي عليها جسديا ونفسيا.
التَهم الكعكة بتلذذ وهو يقول أريد أن أدعوك معي إلى احد المؤتمرات في ميامي، تجلسين لجانبي فقط، وأنا سأحدثك بكل ما لذ وطاب، أريدك إلى جانبي.
طلب أن ترافقه إلى ميامي، كأنهما قيس وليلى أو عنترة وعبلة. "عدنان" غارق في مشاعره وأحاسيسه، ولم يبذل جهدا ليتأكد مما تشعر به "مي العطار". لم يفسح لها المجال للحديث. شبك يدها بيده، تمنعت بحدة، فهي لا تكنُّ له أي مشاعر، لا تعرفه حق المعرفة.
مضى نصف ساعة على لقائهما وشعرت بأن الوقت لا يمضي، وعدنان يراقبها بحذر، راقب أناملها وشعرها ووجهها وحركات جسدها.
تنفست الصعداء حين استأذن عدنان للمغادرة وليسرع إلى حفلة أصحاب رؤوس الأموال التي ستقام في إحدى قرى الجليل الأعلى، وطلبت منه بأدب أن يحمل الألعاب التي اشترتها له، فوزنها ثقيل ولا تستطيع صعود الدرج بهذه الألعاب، ولكنه لم يسمع ما قالته، نفض ريشه وسار أمامها كالطاووس بجسده الضخم، متفاخرا بين رواد وعاملي المطعم، سارت وراءه حتى أنهى وصلته النرجسية، فرفعت الألعاب بهمة وقوة وصعدت الأدراج وراءه. وعندما اقتربا من سيارتها، أراد أن يضمها بذراعيه، فاعتذرت منه بأدب وهي تقول بينها وبين نفسها: سأضع الألعاب في سيارتي، سأعيدها غدا للحانوت أو أبدلها بشيء ما.
تمالكت أعصابها رغم ما ثار في داخلها من نفور وغيظ. أرخت يدها التي تحمل الكيس الثقيل، لفّت يدها قليلا إلى الوراء وكأنها ستخفي الكيس، وودعت عدنان باليد الأخرى على أمل اللقاء به من جديد، وفاجأها بمد يده إلى يدها المرتدة وانتزع كيس الألعاب من يدها.
سبحت في بحر من الأفكار، اتصلت بأختها الصغيرة لتسألها عن عدنان فقالت أختها ضاحكة: لا تكوني "أحمق من هبنّقة"، "فعدنان" فاق مسيلمة بكذبه وهو معروف في بلدتنا بأنه زير نساء. 
لعنت مي الشوق والحنين والنبيذ و"ليالي بيروت". فعدنان القوي كالأسد يمكنه أن يكون راعيا للماعز ولن يستطيع السيطرة على نسر محلق في بطن السماء.
اختارت الصمت عن دهاء وهي تقوم بمحو اسمه من صفحتها على الفيسبوك.