المصالحة الفلسطينية وآفاقها


آخر تحديث: October 12, 2017, 3:36 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

قبل بدء محادثات المصالحة في القاهرة، لم تكن مصر تقبل بأن يعود الطرفان، بلا إطار للاتفاق، على عدد مهم من التفصيلات والتطبيقات، التي تمثل بالنسبة للشعب الفلسطيني بداية واقعية لعملية المصالحة. وفي المباحثات، اتبع المصريون أسلوب الاقتراب غير المباشر من القضايا الخلافية، كالأمن ومنهجية عمله ومؤسسته. وهذا أسلوب معتمد في ساحات الوغى، إذ يتحاشى الطرف المصمم على التقدم الى الأمام، النقاط الصعبة، فيتجاوزها ويتركها وراءه لكي يعزلها، فتصبح موضوعياً، بعدئذٍ، أقرب الى حل عقدتها. ففي هذا الموضوع تُرك موضوع السلاح مثلاً، وبدلاً منه، وضعت مسألة المؤسسة الأمنية الواحدة قيد البحث، لكي يتم الاتفاق على هيكليتها، وإحالة الصلاحيات الى اللجان. وفي موضوع الموظفين، وهو ثاني أهم الموضوعات بالنسبة لحماس، تم الاتفاق على الخطوط العامة على أن تُحال التفصيلات، أيضاً، الى اللجان التي مُنحت فسحة زمنية، لكي تنظر في ملفات الموظفين، وتذهب الى تسوية المسألة وفق الخطوط العامة، التي تم الاتفاق عليها، على قاعدة استيعاب موظفي حماس في الجهاز الوظيفي للسلطة الفلسطينية. وحُسمت سريعاً النقاط السهلة، كتلبية الشرط المصري، أن يتولى حرس الرئاسة الفلسطينية، العمل في معبر رفح، باعتباره جهازاً تابعاً للسلطة الفلسطينية. فالمصريون لا يقرون بشرعية وجود جغرافيا سياسية ذات منافذ الى الخارج، تابعة لحزب ينتمي الى أيديلوجيا الى جماعة "الإخوان" فتجعله كياناً معترفاً به دولياً.

ما أعلن في القاهرة، هو اتفاق إطار على التطبيقات، أي الحد الأدنى مما تقبل به مصر، التي أعدت الخطة "ب" التي تقضي اضطراراً، بأخذ المبادرة لإلزام الطرفين بالتوصل الى توافق. وفي هذا السياق اتبعت حماس، تكتيكات تنم عن إصرارها، على جعل الطرف الآخر مسؤولاً عن الفشل في حال أخفقت الجهود المصرية، ما دعا الرئيس الفلسطيني الى التراجع عن بعض شروطه، مثل نزع السلاح "الآخر" لا تأطيره، لكي لا تقع المسؤولية عليه في حال الفشل، الذي سيجعله في مواجهة المبادرات المصرية، لإلزامه بتسوية نهائية لوضع غزة.

كانت جولة المباحثات الأخيرة في القاهرة، أشبه بماراتون بين الطرفين في ممر السباق الذي حدده المصريون، لأسباب يرونها استراتيجية، وتتعلق بأمنهم القومي الموصول بالأمن الإقليمي. وفي إطار أجندتهم لنزع أيقونة "حماس" من أيدي "الجماعة" ومن أيدي القطريين والأتراك، بذلت جهداً كبيراً وضغوطاً أكبر لكي ينجح مسعاها.

لكن الفلسطينيين، من جانبهم، وعلى الرغم من ابتهاجهم بما سُمي اتفاق، وما وصفته بعض رموز حماس بأنه اتفاق شامل؛ ظلوا يتحسسون الكثير من التخوفات، بشأن التطبيقات التفصيلية، بخاصة وأن الاتفاق يتخذ طابعاً إجرائياً، لا يقوم على قاعدة السياسة التي تتحدد في إطارها الأهداف العامة ووسائل تحقيقها. فلا زال التعارض قائماً على مستوى السياسات، وإن كانت الوقائع الميدانية تفرض على الطرفين، التزام التهدئة مع الاحتلال، مع فارق إشكالي كبير، يتعلق بما يُسمى التنسيق الأمني مع إسرائيل، الذي تضطلع به سلطة الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومؤسسته الأمنية. فهذه الأخيرة ستتولى إدماج الجهاز الأمني الحمساوي في إطارها، وهذا أمر يحتاج وحده الى اتفاق، لأنه نقطة عسيرة يمكن أن تتجاوب فيها حماس، على مستوى حفظ حدود غزة ومنع العمل العسكري منها.

هناك نقاط أخرى، بعضها أحيل الى اللجان، لكن التوصل اليها يحتاج الى تغييرات جذرية في نهج حماس. من بينها موضوع المال الذي تتلقاه القوى والأحزاب من الخارج. فالمال القطري الذي يصل الى حركة حماس، وقد أصبح شحيحاً وفي أدنى معدلاته؛ يصبح أمام احتمالين، إما القطع النهائي بسبب احتواء مصر للمشهد الفلسطيني برمته، أو الاستمرار في المساعدة، لتعزيز موقف حماس، عند الاعتراض والتعطيل، وهذا أمر أقل احتمالاً من الأول!

لكن ما تم إحرازه حتى الآن، على الرغم من عموميته، وكونه فضفاضاً في بعض جوانبه، يوسع هامش الحركة للمصريين،  ويلبي احتياجاتهم الأمنية والسياسية، لا سيما وأن الاتفاق سيجعلهم موجودين على الأرض في غزة، وطرفاً ضالعاً في التطورات ومؤثراً فيها بشكل حاسم، وأمراً مساعداً على محاصرة الإرهاب في سيناء.

وفي إطار منهج الحكم الفلسطيني خلال الفترة الانتقالية، والى حين الوصول الى لحظة الاحتكام الى الشعب، هناك بعض الجوانب المتعلقة بالحقوق الدستورية للمواطنين وللقوى والفصائل والعصبيات، وبالتيار العريض من فتح، الذي يطالب بإصلاح الحركة ووحدتها ونهوضها. فلم تأت في اتفاق الإطار، أية إشارة عن الحقوق السياسية التي ينبغي تكريسها قبل الوصول الى لحظة السباق الديموقراطي، وهذه إشكالية قائمة بسبب رفض رئيس السلطة، لأي حراك فتحاوي يتوخى وحدة الحركة ونهوضها، وهو بهذا العناد، يُضعف فرص حركة فتح في الفوز في أي سباق انتخابي.  

ملفات غزة كثيرة، واحتياجات السكان، على أصعدة الخدمات الأساسية والحياة الاقتصادية وحرية الحركة تستوجب تكريس سياسات داخلية فلسطينية كثيرة، وسياسات خارجية إقليمية أكثر، وهذه كلها تحتاج الى وقت.