نتنياهو ومصير «حشمونائيم»


آخر تحديث: October 11, 2017, 2:34 pm


أحوال البلاد
بقلم: مفتاح شعيب

ورد على لسان رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو اعتراف نادر بأن دولة الاحتلال التي يقودها ربما لن تشهد ذكرى مئة عام على تأسيسها على أرض فلسطين، أي بعد ثلاثين عاماً من اليوم، ما يشير إلى أن هاجس زوال هذا الاحتلال قائم عند أصحابه، بينما حين يقول ذلك غيرهم يرمون بالجهل والخبل وعدم قراءة توازنات الواقع ومستجدات التاريخ.

نتنياهو، الذي لا ينفك يتخذ القرارات بإغراق الضفة الغربية والقدس بالمستوطنات، أقر خلال «ندوة دينية» نظمها في بيته بأن تهديدات وجودية كبيرة تواجه «إسرائيل»، وقد لا يستطيع أن يشهد مرور قرن على قيامه، مستشهداً في هذا السياق بما سماها «مملكة حشمونائيم»، التي لم تعمر في أرض فلسطين سوى 80 عاماً في القرن الأول قبل الميلاد. وعكس استحضار هذا المثل إحساساً بعدم اليقين في استمرار الوجود. ولا تبدو هذه القناعة حكراً على نتنياهو وحده، بل هناك شرائح واسعة من النخب الصهيونية تعيش على هذا الهاجس وتخشى وقوعه، ولذلك سعت أحزاب ذات توجهات «يسارية» إلى طرح مقاربات مستقبلية، منها بحث إقامة «دولة ديمقراطية» تجمع الفلسطينيين واليهود، أو عرض صيغ سياسية تسمح بإقامة دولة فلسطينية، لتكون ضامنة لبقاء دولة الاحتلال. وقد كانت هذه العروض محل رفض مطلق من حكومات «إسرائيل» المتعاقبة، خصوصاً اليمينية منها. ولكن نتنياهو صدم النخب المتطرفة بتصريحه المفاجئ، وقد يكون له تداعيات على بنية الفكر الصهيوني المتشبث بكيانه والرافض لأي طروحات أخرى، ومنها احتمال زوال «إسرئيل» أو حتمية ذلك عند كثيرين.

مثلما تقتنع نسبة من الصهاينة بأن البقاء على أرض مغتصبة غير مضمون، تؤمن غالبية ساحقة من الشعب الفلسطيني بأن الحق سيعود يوماً ولو بعد مئة عام أو أكثر. ومن أجل ذلك رفض النهج المقاوم المساومة على المبادئ والحقوق الأساسية مثل حق إقامة الدولة وعودة اللاجئين وتعويضهم. وفيما يقلل بعض المهتمين من صمود هذه المطالب، تبقى للزمن الكلمة الفصل. فمثلما نسجت ظروف وملابسات أوائل القرن العشرين مهدت لسلب أرض فلسطين بتواطؤ قوى دولية في مقدمتها بريطانيا، ربما تنشأ ظروف معاكسة في هذا القرن تعيد المسلوب إلى أصحابه وترمي بشذاذ الآفاق في مواضعهم الطبيعية.

وإذا كان البعض يرى أن مثل هذه السيناريوهات أشبه بالتخاريف والتمنيات، لا يبخل التاريخ بضرب الأمثال عن دول وكيانات نشأت وذابت في سنوات معدودة، و«إسرائيل» ليست استثناء، بل إن عوامل انهيارها أكثر من بقائها. فلم يستطع هذا الاحتلال على مدى سبعين عاماً الاندماج في البيئة التي فرض عليها، كما لم يقدر أن يحقق أمنه الاستراتيجي، رغم الدعم الأمريكي غير المحدود والتواطؤ الدولي المفضوح لرفده بأسباب التفوق ومحاولات إدراجه في تاريخ الشرق الأوسط الحديث كدولة يجب التعايش معها وكأنها حقيقة كاملة.

حين يستحضر نتنياهو مصير حشمونائيم، يرسم سياقاً طبيعياً لزوال محتمل، وهو زوال قد تفرضه تغيرات الواقع، أكثر من حدوثه جراء حرب أو تهديد أمني. لقد قامت «إسرائيل» على أساس مؤامرة دولية كبرى وخيانة صارخة للفلسطينيين، وربما ستعرف نهاية بنفس الطريقة أو أسوأ قليلاً.

 

عن جريدة "الخليج" الإماراتية