لامعقولية الرفض/ مقال


آخر تحديث: August 31, 2017, 1:38 am


أحوال البلاد
بقلم: جوتيار تمر

لا معقولية الرفضجوتيار تمر/ كوردستان تسير الاحداث في الشرق الاوسط بوتيرة متصاعدة، حراكها فوضوي لاتعطي للمتتبع اية انطباعات حول ماهية المرحلة، او حتى حول المنطق الذي يمكن ان يتبناه لخلق فرضية يمكن من خلالها الاستدلال على الموجبات التي عليه اتباعها للتعامل مع المرحلة، فاغلب البؤر الشرق اوسطية تعيش وفق معطيات السبات الوقتي، فما ان تهدأ الاوضاع في بؤرة من بؤرها حتى تجدها تفور في اخرى، وهكذا تبقى المنطقة في فوران دائم، فوران يخلف ورائه الالاف من الجثث والايتام والارامل، فلاتخلق فقط الحقد القومي والديني والسياسي فحسب، بل تخلق حقداً وانفلاتاً اجتماعياً مبنياً على معطيات لايمكن تجاهل عواقبها، هذه البؤرة الموبوءة منذ البدء، لم تزل تفرض ايقاعها اللامنطقي على جميع القوميات المتجذرة فيها، ولم تزل تفتح ابواب الدمار وسفك المزيد من الدماء امام المتسلطين عليها باسم الاصالة والتجذر والقِدم، او لنقل الذين يعتقدون بانهم الاحق بالتواجد هنا على حساب الاخرين لكونهم اصحاب اديان رسالاتية او حتى حضارات من ورق ووهم لم يستفيدوا منها سوى بالاسم، بل حتى لم يكلفوا انفسهم باعطاء سمة الاستمرارية لها، فحولوها الى سهم في خصر البشرية اجمع، لكونهم لم يملكوا العقل الناضج المنتج الذي بامكانه الاضافة، فقط كان ولم يزل لديهم العقل الاستهلاكي الذي يقتات على بقايا الماضي من جهة، والتقليد الاعمى من جهة اخرى، فكل ما يستخدمونه ليس الا منتج غريب امتلكوه بالاموال التي بين ايديهم، تلك الاموال التي وقعت بين الايدي الخطأ منذ البدء، الايدي المتسخة المتآكلة الملطخة بدماء البشرية.هذه الافة التدميرية لاتحتكر على شعب او قوم دون اخر، فاغلب القوميات التي توجد في هذه البؤرة تعيش نسقاً متناغماً قريباً الى حد ما، مع وجود فروقات بسيطة من حيث التأثيثات الانتمائية وفق منطق السلطوية، فكل من الفرس – المجوس والصفويون – حسب منطق العرب والترك ، والاعراب – العرب – حسب منطق الاخرين ، والاتراك – الترك- حسب منطق الاعراب والفرس ،هولاء كانوا ومازالوا يجدون انفسهم الاكثر حقوقاً في المنطقة سواء بأسم الدين او باسم السلطوية التي اعتمدوها منذ قرون طويلة، في حين تجد بأن الكورد – الاكراد – حسب الرؤية العروبية الاسلامية والفرس والترك ليس لديهم اية حقوق، كما ان اليهود- الصهاينة – حسب الرؤية العربية الاسلامية الفارسية التركية ايضاً دخلاء مغتصبين، وباقي القوميات كالاشوريين والكلدانيين وغيرهم كل هولاء عليهم تقبل الوضع الراهن كما هو، ودون اية مطالبات قد تخدش الحلم السلطوي للفيئات المغتصبة الاولى من المجوس الصفويين والاعراب والاتراك.هذه الفوضى الدينية التاريخية والسلطوية المغتصبة اجبرت الكثيرين ان يعيشوا وفق منطقهم المخصوص وبالتالي ترسخت لديهم منطق الرفض للاخر بداعي الانتماء الوطني، وهذه التسمية الاخيرة المتعلقة بالوطني اضحت احدى اكثر الافات التي تضعف الداخل القومي والديني معاً، وحين نتتبع تاريخ المنطقة اجمالاً سنجد بان اغلب النعرات التي حدثت ووجدت لها صدى اوسع من حجمها كانت بسبب هذا الولاء المسمى الوطني مع انه في الاصل ليس الا احدى النعرات التهكمية التحكمية الاستبدادية التي تطمس معالم انسانية الانسان الحر وصاحب الفكر النير وصاحب قومية اخرى لاتنتمي باي شكل من الاشكال لتلك القومية صاحبة النعرة الا من باب الدين الذي تحول الى لجام حول اعناق القوميات الاخرى كي تبقى خاضعة لاصحاب النعرات والسلطات.هذه الافة خلقت في النفوس نوع من الوهن التاريخي، بحيث تجد بان الدين المتسلط اصبح يجبر الاخرين على الانصياع باسم الخليفة والسلطنة، والنتيجة التي لايمكن الشك بها انها خلفت الملايين من الضحايا في اصقاع المنطقة، وخلفت تخلفاً وافات ووباء لايمكن الحد من انتشاره سابقاً وحالياً، وهذا الوباء تفشى لدرجة انه امتلك نفوس بعض ابناء القومية والدين الواحد تجاه بني جلدته ودينه وقبيلته وعشيرته ودولته، وهذا بالضبط ما جنيناه نحن ابناء الشرق الاوسط من تفاقم الرؤية السلطوية والدينية بحيث اصبحنا نعيش فقط على حيثيات تلك الرؤية وتبعياتها التي لاتمت بالواقع بشيء، انما هي اجمالاً فرضيات مبنية على وهم التاريخ ووهم السلطوية ووهم القِدَم ووهم الاحقية.. وبالتالي ما ان ننظر الى هذه البؤرة حتى نجد بأن كل الاثنيات القوميات فيها باتت مهددة بالتلاشي وفقدان الهوية فالترك في صراع ازلي لاثبات وجودهم للغرب، والفرس مازالوا يعيشون على حلم مد هلالهم الشيعي، والعرب وما ادراك ما العرب كانوا ومازالوا يعيشون على وهم " كان ابي "، وبالتالي فان الضحايا الابرز لهذه الحلقة الهيلامية هم الكورد واليهود والاشوريين وغيرهم من الاقوام التي تعيش في المنطقة حتى قبل ظهور ملامح تلك القوميات الاخرى، او على الاقل كانت تزامنية معهم.الوباء الشرق اوسطي الوهمي المبني على اسس التفاضل الذاتي وتهميش الاخر او اقصائه بات الان اكبر تهديد على البشرية اجمع، وفي كل بقاع الارض، حيث انتشرت النعرات الفوضوية هذه لتصبح اداة مقيتة تزيح الاخرين وتهدد الامن والسلام العالمي، فمن خلال تمرير الفكر الاقصائي لهذه البؤرة انتشر الارهاب في العالم، ومن خلال تمرير الفكر السلطوي الاوحد لهذه البؤرة اصبح العالم ينام على وقع ضحاياه ويستيقظ على وقع طبول الحرب التي لانهاية لها، فمن حارب مائة عام من اجل "جَمل/بعير " لن يتوانى ان يفجر نفسه في اي مكان، ليس لكونه يحمل تلك الشجاعة التي يدعيها، لكن فقط لكونه يقتات على بقايا " كان بي " او يقلد بصورة اعمى شيئا اكبر منه بكثير.. فهو في الاصل لاينتج ولايضيف .. لكنه صاحب الفكر الاستهلاكي فحسب، وهذا الفكر يمكن ان يتم تمريره من خلال قنوات عديدة، كلها تصب في مصلحة من يمرر، وليس من يكون اداة تنفيذ فحسب.. ولعل ابرز سمة تجدها عند هولاء هو الرفض القاطع لاية استنتاجات تؤدي الى اظهار عيوبهم، او تخلفهم،او اندماجهم غير الشرعي بالواقع العالمي، او حتى انهم فقدوا هويتهم، واصالتهم الوهمية، هذا الرفض لا يتوقف عند القاعدة الشعبية فحسب انما هي اساس السلطوية التي تنشر هذا الوباء المقيت، وتلبسه رداء الهوية القومية والدينية وبالتالي نجد الملايين ينصاعون دون وعي لحركة الاقصاء والحقد.سمة الرفض للاخر الاقصاء هي احدى اهم منتجات الشرق الاوسط، هذا المنتج بكل الالوان التي يظهر بها ليس الا نتاج مبني على اسس لاتنتمي الى الانسانية باي شيء، على الرغم من كونه صادر من البشر، ولكن يغلب عليه الطابع الفوضوي البشري الساعي لخلق الهتهِ بنفسه، كي يمرر قوانينه عبرها ويتسلم هو زمام  الامور فيقصي ويعدم ويسبي وينشر الوباء ويقتل ويفعل كل شيء باسم الهتهِ قوميته دينه.. ويرفض في الوقت نفسه ان يُتهم بانه خارج عن الدين او مقيت من بني جلدته، وعلى هذا النمط الاستهلاكي تعيش المنطقة باكملها على فوهة بركان لايحتاج الى وقت طويل كي ينفجر، لكونه منفجر في الاصل وبشكل دائم، لكن فقط درجة الانفجار تكون متفاوتة من وقت الى اخر.سمة الرفض اداة اختزلها ابناء المنطقة فترسبت الى جميع القوميات، واصبحت كل قومية تستخدم تلك السمة وفق منطقها وحاجتها، فالرفض العربي لليهود يقابله رفض يهودي للعرب، والرفض التركي للفرس يقابله رفض فارسي للترك، ورفض الاثنين للعرب يقابله رفض العرب لهما، وكذا تستمر المعادلة دون توقف، ولكن في الوقت نفسه نجد رفضا عربياً عربياً وتركياً تركياً وفارسياً فارسياً........ وهذا ما يفرض قاعدة اخرى هو الرفض الداخلي لبني الجلدة الواحدة، هذا المرض تفشى بصورة سريعة، واصبح الان يغطي مساحات واسعة من المنطقة، وبات يهدد بانفجارات اخرى اكثر جسامة واكثر خراباً .. لكونه امتد الى القوميات الاخرى التي باتت هي الاخرى تعيش وفق منطق التصارع الذاتي، في حين ان ظروفها سواء على الصعيد السياسي او الاقتصادي او حتى الاجتماعي لاتسمح لها بالانقياد لهذا المنطق المعدي المقيت، فباستثناء اليهود لكونهم متماسكين وفق منطق ديني اثني بحت، نجد بان اغلب القوميات الاخرى تعيش فترة من الضياع الوجودي، فالاشوريين مثلاً منقسمين في المنطقة بين موالين للحكومات المركزية التي يتواجدن ضمن نطاق وحدودها، ورفض الانفصال عنها وبين حلم خلق منطقة محايدة لهم بحكم ذاتي  او ادراة ذاتية ك– سهل نينوى -، كما يحدث الان في العراق الطائفي، وفي الوقت نفسه نجد الكورد يعيشون هذا المنطق الغريب، فعلى الرغم من كونهم منقسمين في الاصل بين اربعة دول " تركيا – ايران – العراق – سوريا " نجد بأنهم في كل جزء من هذه الاجزاء منقسمين على بعضهم البعض، وفق تيارات غير منسجمة، فبين تيارات سلمية واخرى مسلحة نجد صراعا في تركيا وايران، وسوريا التي تيعش فوضى عارمة، اما في العراق وهذا الاكثر غرابة نجد ان الكورد في كوردستان الجنوبية يعيشون حالة من الاستقرار الامني والسياسي الذاتي باعتبارهم يحكمون انفسهم بانفسهم ولهم حكومة ومؤسسات شبه مستقلة عن المركز العراقي، الا انهم في هذه المرحلة بالذات يعيشون منطقاً غريباً، فالحلم الكوردي في الاستقلال بات وشيكاً ولم يتبقى سوى اقل من شهرين لاجراء الاستفتاء الذي ان حصل على اغلبية صوتية سيكون الاستقلال هو النتيجة الحتمية، ولكن مع ذلك تجد هناك اصوات تبرر رفضها للاستفتاء بامور مهما بلغت من مصداقيتها او واقعيتها لاتخرج من دائرة الحقد الشخصي والكره الحزبي، فتبحث الاصوات الرافضة عن المبررات الواهنة للرفض وهي في الاصل ليست الا الاقلية باعتبار ان الاغلبية ذات الانتماء الحزبي يشكلون قاعدة للاستفتاء والاستقلال، ولكن الغرابة تكمن في الرفض غير المبرر وغير الممنطق لكونه في كل ومجمل احواله متعلق برفض حزب او شخص،  وهذا ليس ابدا مبرراً لفقدان هذه الفرصة التاريخية التي يصعب ان تتكرر تحت ظروف مشابهة من تأييد دولي للبيشمركة الكوردية، ان الرفض وحسب اغلب المقالات والرؤى التي تابعتها شخصياً وجدتها تنصب في خانة واحدة، وهي ان الرافضين لايتقبلون الحزب الفلاني والشخص الفلاني كي يقود هذه المسيرة فتاتي كلماتهم كلها منصبة على افراغ حقدها على ذلك الحزب او الشخص، فمقولة ان الاستفتاء حزبي لايبت للواقع بشيء، كيف يكون يكون حزبياً ولدينا ثلاثة اهم احزاب كوردية في الجنوب الكوردستاني يسابقون الزمن لاجراء الاستفتاء ( الديمقراطي الكوردستاني – الاتحاد الوطني – الاتحاد الاسلامي – فضلا عن وجود ممثلين لبعض الاحزاب الاخرى من الانتماءات القومية المختلفة ) وبالتالي نجدهم يبحثون في الزوايا المعتمة عن كل ما يبرر رفضهم غير المنطقي، وجل ما يكتبونه او يصرحون به هو نابع عن هذا التصور اللامنطقي ايضاً، ناهيك عن التداعي المنحط في التصور نجدهم يثيرون القلق والفزع في الاوساط الداخلية ويعزفون على وتر حساس " فوبيا الازمة " التي جعلت روابط الحكومة بالشعب واهنة، لكون الازمات متوالية على الشعب منذ سنوات لاسيما بعد الحرب الضروس مع داعش الارهابي، والصراع الدائم مع المركز الطائفي، فبدأت الاصوات القليلة الرافضة تعزف لحن انقطاع المواد الغذائية واغلاق الحدود مع ايران والكثير من هذه المعطيات غير الممنطقة امام الحصول على الاستقلال وانشاء كيان كوردي مستقل، ناهيك عن عدم التفكير بان فشل الاستفتاء ليس الا عودة الى الحض الطائفي الذي يمقت الكورد تاريخياً، وفقدان المناطق الكوردية التي حررها ودافع عنها البيشمركة، فضلا عن انهاء مرحلة سياسية مفعمة بالنشاط الدولي للكورد، والتأييد العالمي للكورد.