هل يصلح ترامب لرئاسة أمريكا؟


آخر تحديث: August 24, 2017, 10:32 am


أحوال البلاد
بقلم: د. فايز رشيد

كان متوقعا أن يطالب أعضاء في الكونغرس الأمريكي بعدم صلاحية ترامب للرئاسة، لقد طالبت زولو فغرين بإخضاع الرئيس ترامب إلى فحص، للنظر في قدراته العقلية والنفسية، للحكم على مدى صلاحيته لحكم الدولة الأقوى في العالم. كذلك فعل ثلاثون طبيبا وعالما نفسيا من أشهر أطباء وعلماء الولايات المتحدة والعالم.

كما أشارت زولو فغرين، وبحسب موقع «ميركوري نيوز»، إلى أنها قامت بتقديم مشروع قرار إلى الكونغرس مؤخرا، ينص على ضرورة أن يطّلع نائب الرئيس مايك بينس وأعضاء الفريق الرئاسي لترامب، على نتائج الفحوصات، ليقرروا ما إذا كان الرئيس ترامب يستحق البقاء في منصبه أم لا.

تعتقد لوفغرين أن ترامب يعاني من مراحل أولية من الخرف، مشيرة إلى السلوك الغريب لديه ولخطاباته المقلقة. وبحسب الموقع نفسه، فإنه بموجب البند الخامس والعشرين (المعدل) من الدستور الأمريكي، يحق لنائب الرئيس وأغلبية أعضاء المكتب الرئاسي، تجريد الرئيس من مهامه بشكل مؤقت، بإعلانه «غير قادر على أداء سلطات وواجبات مكتبه»، ليتولى نائب الرئيس المهام الرئاسية نيابة عنه. وفي حال اعتراض الرئيس على إزاحته، يتم طرح الموضوع على الكونغرس، للحصول على عدد من الأصوات تمنعه من مزاولة مهامه الرئاسية.

وبالعودة إلى شهر ديسمبر 2016، أي قبل انتقال سلطة الولايات المتحدة إلى ترامب رسميًا، بعث ثلاثة أساتذة من كلية الطب في جامعتي هارفارد وكاليفورنيا خطابا إلى بارك أوباما يسجل أعراض الاضطراب العقلي عند ترامب، منها: داء العظمة، الاندفاع، فرط الحساسية من النقد والتجاهل، ضعف، عجز واضح في التمييز بين الخيال والواقع. الأمر الذي يعني أنه مصاب بالنرجسية.

من جانبه، يجزم جون جارتر، أحد أهم الأطباء النفسيين على صعيد أمريكا والعالم، بأن الرئيس الأمريكي مريض عقليا وخطير ولا يصلح لامتهان الرئاسة، ويستطرد في قوله مستخدما مصطلح «النرجسية الخبيثة»، التي تعتبر في الأساس مزيجًا من عدة سمات مثل: النرجسية، العدوانية، اضطراب الشخصية المعادي للمجتمع، داء العظمة والسادية. كما يدّعي جارتر، أن الفحوصات التي يسترشد بها الخبراء في الجمعية الأمريكية للطب النفسي لتشخيص مرضاهم بالنرجسية من عدمها، موجودة في معظمها لدى الرئيس (على الرغم من أن خمسة أعراض منها تكفي لوضع التشخيص): المبالغة في الشعور بأهميته والنزعة لتضخيم حجم إنجازته ومواهبه، غياب الشعور بالتعاطف وعدم القدرة على التواصل مع احتياجات ومشاعر الآخرين. المناورة والتلاعب في القرارات المتخذة، استغلال الآخرين لمنفعته الخاصة. لديه أوهام تتعلق بتأثيره الذي لا يُقاوم على الآخرين. التفرد في أخذ القرارات. الحسد يلعب دورًا محوريًا في حياته.

الشعور بالاستحقاق كتوقعه بأنه جدير بمعاملة الآخرين الخاصة. السلوكيات المُتكبرة على كل الآخرين، حتى على من قام بانتقائهم وتعيينهم. في نظرة موضوعية إلى الرئيس ترامب خلال سبعة أشهر من تسلمه للحكم، يتضح أنه فاقد للاتزان في معظم القرارات التي يتخذها. فقد قام بطرد مستشار الأمن القومي الأمريكي مايكل فلين، وكبير موظفي البيت الأبيض راينس بريباس وعين مكانه الجنرال المتقاعد جون كيلي. كما قام بطرد مسؤول الاتصالات في البيت الأبيض، أنتوني سكاراموتشي، الذي مرت عشرة أيام فقط بين تعيينه وطرده من منصبه. من الملاحظ استعانة ترامب بكبار الجنرالات لتعيينهم مسؤولين في إدارته. كما قام بفصل مستشاره الاستراتيجي ستيف بانون. هذه التغييرات السريعة، تدلل على مدى التفكك البنيوي في إدارة الرئيس الأمريكي. بالطبع في كل إدارة أمريكية يكون في العادة تباينات في الرأي بين أفرادها، وهم من يطلق عليهم في العادة (الحمائم والصقور)، لكنهم مثلوا في كل الإدارات السابقة، إطارا مشتركاً عاماً.

في إدارة الرئيس ترامب هناك انقسام عمودي في إدارته، ولا يمكن تسمية اختلافات أفرادها بالتباينات، بل الأحرى بالصراعات البينية، الأمر الذي يجعل الصراع في إدارته لا يشبه الصراع في أي إدارة أمريكية سابقة. لا يحتمل الرئيس ترامب أي اجتهاد يقوم به أحد كبار موظفيه، وهذا ما يعاكس النهج الرئاسي الأمريكي، فمثلا شهدنا مجتهدين في إدارات أمريكية سابقة مثل، ماك غي، كيسنغر وبريجنسكي، الذين كانت شهرة الواحد منهم توازي شهرة رئيسه إن لم تفقها. الرئيس ترامب هو رئيس القوة الأعظم في العالم، وبالخطوات أو القرارات التي يتخذها، لا يؤثر على أمريكا فقط، بل على المجتمع الدولي بكامله. الرئيس ترامب يهدّد بخَوض حرب نووية ضد كوريا الشمالية، وتوعّد رئيس فنزويلا بغزو بلاده، ويهدد المكسيك إذا لم تبن جدارا على حدودها مع الولايات المتحدة للحد من الهجرة. وتحت غطاء محاربته للإرهاب، يحقد على الإسلام والمسلمين، أصدر قرارات بتعقيد حصول ست جنسيات دول إسلامية على التأشيرة الأمريكية، وأيد بشكلٍ فاضحٍ المسيرات اليمينية العنصرية للنازيين الجدد في فيرجينيا، وهذا ما لم يفعله أو يجرأ على التصريح به أي رئيس أمريكي سابق. الرئيس ترامب وعد بإعادة «العَظمة» إلى أمريكا وإصلاح بنيتها التحتية الاقتصادية، وإيجاد وظائف للعاطلين عن العمل، وحقّق بعض الإنجازات في هذا الإطار، ولكن حقق ذلك ليس بأموال الولايات المتحدة، بل بأموال العالم، ومن ضمنهم العرب، ففي زيارته للرياض حصل على عقود بـ480 مليار دولار. وأيضا من البلطجة السياسية، وإن معظم هذه الوظائف ذَهبت وتَذهب، إلى البيض ومَناطقهم من خلال استثمارات مكثفة.

قلنا في مقالة سابقة على صفحات «القدس العربي» أن الحاكم الحقيقي في الولايات المتحدة هو تحالف الرأسمال المالي مع المجمع الصناعي العسكري، ولكن حتى أطراف هذا التحالف، يريدون رجلا في البيت الأبيض يتصف بالاتزان السياسي، وهذه الصفة لا يتسم بها الرئيس ترامب. نعم المساواة والعدالة الاجتماعية، والفرص المتكافئة والتسامح والتعايش، كلها تشكل العمود الفقري في الدستور الأمريكي. وتأييد الرئيس ترامب للنازيين الجدد ومسيراتهم، تنسف كل هذه المبادئ، وتَعرض نصف المجتمع الأمريكي من غير البيض للتهميش والإقصاء، وإشعال فَتيل الحَرب الأهليّة، التي عانى المجتمع الأمريكي منها عقودا طويلة (الحرب بين الشمال والجنوب). لقد عانى سكان الولايات المتحدة السود من عنصرية الرجل الأبيض طويلا، وبالتضحيات الكبيرة، استطاعوا انتزاع حقوقهم والمساواة بالسكان البيض، كما تتحدث أوساط أمريكية كثيرة عن تنامي العنصرية والنازية في أمريكا في عهد الرئيس ترامب. أغلب الظن، أن ترامب لن يكمل سنوات ولايته الرئاسية.

الجدير ذكره، أن الجمهوريين، وفقا لمجلة «الإيكونوميست» الشهيرة (ولدوافع حزبية أمريكية) يصطفون وراء ترامب ظالما أو مظلوماً، بما يعني أن الحِزب الجمهوري قد يتردد في تأييد أي توجه للإطاحة به من الرئاسة، والأصوات التي صدرت من الحزب وتطالب برحيله عن منصبه، ما تزال قليلة، لكن بالمعنيين التكتيكي والاستراتيجي، لن يقبل الحزب برئيس مهزوز ومشكوك في قواه العقلية أن يمثله، كما أن مارك بينيس نائب ترامب، هو أيضا جمهوري.

نعم، إن النازية الجديدة تَعود بقوة في أمريكا! لا ولن تتوقّف عند حدود معينة إذا ما انطلقت، وسيَكون العالم تحت تأثيرها بالطبع. هل بات ترامب يشكل خطرا على أمريكا وعلى العالم؟ هذا ما ستوضحه الأشهر القليلة المقبلة.

 

عن جريدة "القدس العربي" اللندنية