البيروقراطية.. هل هى داء العصر؟


آخر تحديث: August 21, 2017, 12:36 pm


أحوال البلاد
بقلم: جلال أمين

 

خلال النصف الثانى من القرن الثامن عشر، عندما كانت الرأسمالية الصناعية لا تزال فى مراحل نموها الأولى كان الخلاف الأساسى بين المهتمين بالشئون الاقتصادية يدور حول دور الفرد فى مقابل دور الدولة. كان أنصار الحرية الاقتصادية، وعلى رأسهم آدم سميث، مصرين على ترك حرية اتخاذ القرارات الاقتصادية للأفراد، وعدم تدخل الدولة فى شئون الاقتصاد إلا فى أضيق الحدود، على أساس أن الفرد أدرى بمصلحته من أى حكومة (مهما كانت كفاءتها وحسن نيتها)، وأن الأفراد عندما يتركون وشأنهم دون تدخل من الدولة سوف يحققون مصلحة المجتمع ككل، حتى دون أن تكون مصلحة المجتمع جزءا من اهتماماتهم.

فى مقابل ذلك كان أنصار تدخل الدولة يثيرون مسألة استغلال الرأسماليين للعمال، وأن سعى الرأسماليين لتحقيق أقصى قدر من الأرباح يؤدى إلى الإضرار بمصلحة المجتمع ككل.

ظل الخلاف فى الرأى يدور أساسا حول أفضلية ملكية الدولة للمشروعات الاقتصادية بالمقارنة بالملكية الفردية. كانت الملكية إذن ـ لا الإدارة ـ هى موضوع الخلاف، وقد استمر الأمر كذلك مادام استمر الحجم الصغير للمشروع الاقتصادى هو السائد. ففى المشروع الصغير تتحد عادة الإدارة والملكية، إذ لا تتطلب الإدارة عادة من المهارات والكفاءات ما يعجز عنه المالك أو العدد الصغير من الملاك. ولكن متى تجاوز المشروع حجما معينا تظهر الحاجة إلى مهارات وكفاءات مختلفة مما يؤدى إلى انفصال الملكية عن الإدارة فى المشروع الكبير، وتظهر صور جديدة «للقهر» أو «الاستغلال»، ومن ثم تظهر أنواع جديدة من الشكوى مصدرها اختلاف المصالح بين المديرين من ناحية، والملاك من ناحية أخري، وهم كثيرون فى حالة الشركات المساهمة، وكذلك بين المديرين وبين المستهلكين الذين يكونون عادة جماهير غفيرة.

ليس غريبا إذن أن الشكوى من «البيروقراطية»، هى شكوى حديثة نسبيا، إذ لم تظهر فى المراحل المبكرة من تطور الرأسمالية، بل ظهرت ونمت مع نمو حجم المشروع الرأسمالى من ناحية، وازدياد تدخل الدولة فى الاقتصاد من ناحية أخري، سواء كانت دولة «اشتراكية»، أو ما يسمى «بدولة الرفه» (welfare state)، التى تؤمن بواجب الدولة فى التدخل لتحقيق أهداف اجتماعية معينة.

نحن الآن نعيش إذن فى عصر تزداد فيه احتمالات القهر الذى يتعرض له الفرد من جانب المديرين، حتى فى ظل الدولة الرأسمالية. وحيث إن الدولة الاشتراكية فى أيامنا هذه أصبحت ظاهرة نادرة جدا، فإن قهر الإدارة للفرد أصبح الآن بعيد الصلة عن شكل الملكية، عامة أو خاصة. كلنا الآن نواجه هذه الاحتمالات، ويبدو أنها تزداد مع مرور الزمن. ذلك أن من طبيعة الأمور، مع التقدم التكنولوجي، أن يكبر حجم المشروع، ومن ثم يزداد ما يتمتع به المديرون من سطوة، ويزداد عدد المتعرضين والمتضررين من هذه السطوة. بعبارة أخري، نحن نعيش الآن فى عصر تزداد فيه أهمية مشكلة »البيروقراطية«، وتتراجع أمامها مشكلة ملكية المشروع. «الفرد فى مواجهة الإدارة»، هذه فيما يبدو هى المشكلة التى تحتل شيئا فشيئا مكان الصدارة فى حياتنا الاجتماعية، بعد أن كانت المشكلة طوال القرنين الماضيين هى مشكلة الانقسام الطبقى بين من يملكون ومن لا يملكون.

هذا التحول الذى طرأ على حياتنا الاجتماعية، سواء فى داخل الدول المتقدمة صناعيا أو الدول الأقل تقدما (مع اختلاف درجة التحول بالطبع) قد تكون له علاقة وثيقة بما طرأ من تطور فى النظام السياسي، وأقصد بالذات الديمقراطية، إذ لا يمكن لأحد أن ينكر ما أصاب الأسلوب الديمقراطى فى الحكم من ضعف فى مختلف بلاد العالم. يظهر ذلك فى الضعف الذى أصاب البرلمانات، حتى فى أعرق الدول وأقدمها فى تطبيق الديمقراطية.

المناقشات فى البرلمانات أصبحت أقل أهمية، وزادت نسبة الممتنعين عن الاشتراك فى اللعبة الديمقراطية كلها، ترشيحا أو تصويتا للمرشحين، أو متابعة لما يدور من مناقشات بين من يتم انتخابهم. لم يعد من السهل تصنيف الأحزاب المتنافسة بحسب الطبقة أو الطبقات التى يدافع كل من هذه الأحزاب عن مصالحها. كانت اللعبة الديمقراطية أكثر أهمية عندما كانت المنافسة تتخذ شكل الصراع الطبقي، أما وقد تحولت المنافسة، أكثر فأكثر إلى صراع بين «مديرين»، يدور حول توسيع أو تضييق دائرة النفوذ، بصرف النظر عما يحدث لحجم الثروة، فإن المنافسة أصبحت أقل وضوحا بكثير، وأقل إثارة لاهتمام الناس.

لابد أن يتساءل المرء، والحال كذلك، عن المصير الذى ينتظر مبدأ الديمقراطية نفسه، ومصير النظريات السياسية وعلم السياسة كله. من المعروف أن النظريات ـ سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية ـ يتأخر تطورها عن التطورات التى تحدث فى الواقع. وأظن أن التأخر فى هذه الحالة، أى فيما يتعلق بالديمقراطية، قد تأخر أكثر من اللازم.

 

عن جريدة "الأهرام"