ثلج الغريب


آخر تحديث: August 12, 2017, 9:03 pm


أحوال البلاد
بقلم: أحمد صبحي النبعوني


 
في صباحات الغربة... الباردة في كل الفصول....!  تقف على الرصيف تنتظر الحافلة لتصل إلى عملك يتأخر الباص فتخرج سيجارة من جيبك وتسحب نفسا طويلا من الدخان إلى أعماقك ... تنظر حولك فترى طلبة مدارس وعمال يتكلمون بصوت عالي ويضحكون وفجأة تجد نفسك غريبا بينهم وتسأل دخان سيجارتك من أنا وكيف وصلت إلى هنا ولماذا ..؟ من ماذا هربت وهل كان يستحق كل هذا الجهد النفسي والجسدي الذي بذلته حتى تصل لمثل هكذا شعور ... شعور واحساس بالذات الضائعة المخفية التي غطتها طبقات الثلج السميكة ولم يعد لها أثر ... ومن أي وطن هربت بعد أن حاصرك الموت من كل الجهات لتنجو بنفسك ... ؟ وهل فعلا نجوت  ؟ هل انت حي الآن ؟ 

تصعد إلى الباص تجلس بجانب رجل من قارة أخرى ربما هو أيضا مثلك هرب من الموت منذ عشرات السنين لكنه الآن أيضا ميت بطريقة أخرى لا يعلم سرها سواه ... تنزل من الباص وتواصل السير مشيا على الأقدام وأنت تراقب صوت حذائك وهو يغوص في الثلج فتذكر تلك الصباحات التي كنت فيها  تصعد إلى سطح منزلك الطيني لتزيل عنه طبقات الثلج حتى لا يهبط سقف البيت فوق أطفالك ... لكن تسأل ذاتك مرة أخرى لماذا كان الثلج في قريتي يضحك ويبتسم ويغني لدرجة إن جميع الناس كانت تحتفل بقدومه وتضيف إليه قطر السكر ليكون وجبة دافئة وانت تشارك الأصدقاء في تناوله ... ولماذا الثلج هنا لا ضحكة له ولا حتى ابتسامة صغيرة ، ربما لأنه يشبه ذاك الضيف الذي يطيل زيارته ولا يتكلم ويبقى صامتا وأهل البيت ينتظرون متى يغادر لأنه ضيف بارد لا نار في قلبه ولا في حديثه ..تصل إلى مكان عملك متأخرا كالعادة وتستعد لتحيك لصاحب العمل .. حجة و مبرر جديد  لتأخرك على الوصول تختلف قليلا عن سابقاتها من القصص التي لا يقتنع بها رب العمل في قرارة نفسه  ومع ذلك يبدي لك إيماءة بالقبول تشبه إيماءة يوحنا المعمدان التي رسمها دافنشي لكن على مضض .