التفاهمات على نار هادئة !


آخر تحديث: August 12, 2017, 8:47 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

أن قطاع غزة هو الذي كان ضحية الانقسام بين حركتي فتح وحماس, أو بين جناحي السلطة الفلسطينية, حيث جرّ الانقسام عليه حصارا مستمرا ومتواصلا منذ أحد عشر عاما, زادته إجراءات السلطة المركزية الأخيرة وبالا على وبال, فإن فصائل غزة, كانت أقدر من غيرها على الدخول من البوابة الصعبة, وعلى اجتراح الحل, نظرا إلى أنها اقرب إلى مواطني القطاع الذين تعيش معاناتهم يوما بيوم, ولا تتعرف عليها من خلال التقارير أو وسائل الأعلام, أو من خلال موظفين أو تابعين لهذه السلطة أو تلك أو لهذا الفصيل أو ذاك .
ورغم أنه باستثناء رد فعل السلطة المركزية في رام الله الصريح, فإن صخبا لم يرافق التفاهمات التي جرت بين التيار الإصلاحي الديمقراطي في حركة فتح, وتنظيم حماس/غزة, ورغم أن التفاهمات جرت في وقت يئس فيه الناس من كثرة ما وقعت حركتا حماس وفتح المركزيتان من اتفاقات, لم ينفذ منها شيء, ورغم البطء الذي بدا واضحا بعد التوصل للتفاهمات في تنفيذها, إلا أن تكتيك التنفيذ الذي اتبع, يبدو أنه كان جزءا منها, أو أنه جاء لضمان تنفيذها بهدوء ودون صخب, وبالتدريج, ذلك أن الطرفين اللذين توصلا إليه , كانا معنيين بالتخفيف فعلا من معاناة الناس , وليس إلى البهرجة الإعلامية , أو إلى إطلاق فلاشات إعلامية بهدف الظهور الفارغ, لذا فإنه رغم مرور نحو ثلاثة شهور عليها, ورغم محاولة السلطة عقد صفقة مع حماس لتقوم بإلغائها, من خلال عرض التراجع عن إجراءاتها خلال الشهور الماضية بحق موظفيها إن كان بخصم ال30% رواتبهم أو بالبدء بإحالتهم بشكل جماعي للتقاعد, إضافة لرفع يدها عن كل ما تبقى من خدمات محدودة تقدمها لمواطني القطاع, إلا أن عقد مؤتمر المصالحة المجتمعية والشروع الفعلي بتنفيذ التفاهمات, منحها مصداقية وجدية من قبل طرفيها .
ولعل في زيارة الوفد الفصائلي من قطاع غزة لمصر هذه الأيام ما يعني بأن الأمور تجري في المسار إياه, وأن الجدية التنفيذية تحكم التفاهمات فعلا, ولعل في مشاركة ممثلي الفصائل الأساسية أولا لجلسة المصالحة المجتمعية, وثانيا للوفد القادم للقاهرة من غزة, ونعني بممثلي الفصائل ممثلي كل من الجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية, إضافة إلى تنظيم حماس بغزة وحركة فتح/غزة _ التيار الإصلاحي/الديمقراطي, ما يؤكد بأن التفاهمات قد كانت هي الحل من الداخل, أي الحل من داخل قطاع غزة, لمشاكله, متجاوزة بذلك عشر سنوات من التعامل معه كرهينة للخلافات والصراعات السياسية بين جناحي سلطة أوسلو . 
ربما أن زيارة الوفد ولقاءه مع قادة جهاز المخابرات المصري يعني مراجعة للإجراءات الأمنية التي اتخذت مؤخرا على جانب الحدود بين القطاع ومصر, وإن كانت تقنع  الجانب المصري, راعي التفاهمات, بحيث تخرج لقاءات الوفد الفصائلي بالانتقال إلى المرحلة التالية من مسار تنفيذ التفاهمات, ونعني فتح معبر رفح, وتولي إدارة قطاع غزة بشكل جماعي, ولعل اقتراح القسام المعلن عنه مؤخرا, بإعلان غزة تحت الحكم العسكري أو إعلان الفراغ السياسي والإبقاء على سيطرة القسام الأمنية عليه, ما يعني أولا بأن القسام وهو القوة الأعظم لحماس في غزة موافق أولا على التفاهمات, وثانيا ما يمهد لإدارة جماعية داخلية للقطاع, تسقط حجة السلطة المركزية في رام الله بأن وجود لجنة حماس الإدارية تعرقل تنفيذ إنهاء الانقسام . 
لا يمكن لسلطة رام الله أن تقنع أحدا بأن إدارة غزة ذاتيا تعرقل المصالحة, حين تكون تلك الإدارة جماعية ولا تقتصر على حركة حماس وحدها, ولعل تفاهمات فتح/غزة مع حماس/غزة, قد دللت على عقل عبقري حين قدمت لحماس ما يعجز عباس عن تقديمه لها, وذلك بتقاسم السلطة أو بإقامة نظام شراكة وطني فعلي بقطاع غزة, وليس بفرض النظام البيروقراطي عليها بدعوى إعادة الوحدة أو اللحمة أو وضع حد للانقسام !
بعد أيام سيظهر للجميع بأنه مقابل إجراءات رئيس السلطة محمود عباس التي لا قيمة لها, لأنها تهندس الواقع على الورق, ولا تفعل شيئا على الأرض, ومن تلك الإجراءات, العقاب الجماعي ضد موظفي قطاع غزة بشقيهم_موظفي حماس وموظفي السلطة_ وهم بمجموعهم يشكلون نحو 100 ألف موظف, يعيلون نحو نصف سكان قطاع غزة, ومنها التهديد بعقد المجلس الوطني ل م ت ف, في حين أنه على الجانب الآخر هناك إجراءات عملية, تغني الناس عن حاجة السؤال وعن ضيق واقع الحال . 
لو عاد الوفد من القاهرة باتفاق قريب بربط غزة شيئا فشيئا بالاقتصاد المصري, بدءا من محطة الكهرباء, وليس انتهاء بترتب إدارة المعبر _على الأقل_ بشكل جماعي أو حتى من خلال خصخصته لتجاوز عقبة اشتراط السلطة المركزية برام الله على الجانب الفلسطيني منه _ فإن ذلك يعني بأنه قد تم تجاوز حالة المراوحة حول الذات التي استمرت عشر سنوات مضت, وأن غزة قد تحررت فعلا, أولا من الاحتلال الإسرائيلي قبل اثني عشر عاما, والآن من سلطة بيروقراطية, ظنت لوهلة بأنه يمكن التحكم بمليوني مواطن حر من خلال لقمة الخبز, أو الراتب أو من خلال كمية الكهرباء التي تصل البيوت, أو من خلال مجموعة "قرارات" تفصل هذا من العمل أو ذاك من الحركة, أو تخرج هذا من الصف الوطني أو ذاك من الحق بالمشاركة الفعالة في سلطة يفترض فيها أنها جاءت ثمرة كفاح الشعب كله بفصائله كلها, وصولا إلى إقامة نظام حكم الفرد/المستبد الذي أكل عليه الدهر وشرب وبات ظاهرة منبوذة في العالم العربي, بتنصيبه "زعيما أوحدا" على الحزب الحاكم أولا من خلال المؤتمر الحركي, ومن ثم حاكما فردا للنظام السياسي بعد تعطيل المجلس التشريعي, والى حد ما القضاء وتكميم أفواه الأعلام وصولا إلى أحتفائية أخيرة لمجلس يمثل نظريا الكل الفلسطيني داخل وخارج الوطن, لكنه عمليا بات احد أدوات بقاء الماضي الميت اكلنيكيا حيا من خلال التنفس الصناعي .