الذكرى التاسعة لرحيل شاعر المقاومة محمود درويش سجل.. أنا عربي أنا اسم بلا لقب يعيش بفورة الغضب


آخر تحديث: August 9, 2017, 2:12 pm


أحوال البلاد

تقرير محمد عابد

لم يكن محمود درويش يعبث لحظة واحدة بأدوات رسالته لفرط حساسية هذه الأدوات. فأداة الشاعر الفلسطيني واحدة بطبيعته الاستثنائية، هذه الأداة هي الوطن المفقود الذي يصبح في الغياب فردوسا مفقودا، هكذا صدر الحكم قدريا على محمود درويش الشاعر أن يولد فلسطينيا ليصبح لسانا لهذه الأرض التي أُفقدت عن عمد الكثير من ألسنتها.

والمتتبع لحياة محمود درويش يجدها قد مثّلت بصورة نموذجية أبعاد قضية شعبه على مدار ستين عاما هي مدتها، وعبر توصيفات صدقت في كل وقت على كل أفراد هذا الشعب.

مع الميلاد عندما كنت صغيرا, كانت الوردة داري, والعصافير إزاري

ولد محمود درويش في 13/3/1941 في قرية البروة الفلسطينية التي تقع في الجليل شرق ساحل عكا، طرد من البروة مع أسرته في السادسة من عمره تحت دوي القنابل عام 1947، ووجد نفسه أخيراً مع عشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان، بعد أن تعرض الشعب الفلسطيني للاقتلاع وتدمير مدنه وقراه, ثم سكن في جزين إلى أن هبط الثلج في الشتاء, وفي جزين شاهد للمرة الأولى في حياته شلالاً عظيماً ثم انتقل إلى الناعمة قرب الدامور, حيث البحر وحقول الموز.

كان درويش في السادسة من عمره، لكن ذاكرته القوية، وعيناه ما زالتا تسترجعان تلك المشاهد, كان وعائلته ينتظرون انتهاء الحرب ليعودوا إلى قراهم لكن جده وأبيه عرفا أن المسألة انتهت، فعاد وعائلته متسللين مع دليل فلسطيني يعرف الطرق السرية إلى شمال الجليل,وقد بقي لدى أصدقاء إلى أن اكتشفنا أن قريتنا البروة لم تعد موجودة.

وجدت عائلة درويش قريتهم مهدمة وقد أقيمت على أراضيها موشاف قرية زراعية إسرائيلية أحيهود، وكيبوتس يسعور. فالعودة إلى مكان الولادة لم تتحقق.

عاش درويش وعائلته لاجئين في قرية أخرى اسمها دير الأسد في الشمال, ولأنهم لاجئين وجدوا صعوبة بالغة في الحصول على بطاقات إقامة، لأنهم دخلوا بطريقة "غير شرعية"، فعندما أجري تسجيل السكان كانوا غائبين. وكانت صفتهم في القانون الإسرائيلي الحاضرون- الغائبون=، أي أننا حاضرون جسدياً ولكن بلا أوراق. صودرت أراضيهم وعاشوا لاجئين.

عاش محمود في حيفا بعدما انتقلت العائلة إلى قرية أخرى اسمها الجديدة وامتلكت فيها بيتاً. وفي حيفا قضي  عشر سنين وأنهي فيها دراسته الثانوية، ثم عمل محرراً في جريدة "الاتحاد" وكان ممنوعاً من مغادرة حيفا مدة عشر سنوات.

كانت إقامته في حيفا إقامة جبرية, ثم ارستجعوا هوياتهم التي كانت  هوية حمراء في البداية ثم زرقاء لاحقاً وكانت أشبه ببطاقة إقامة. كان ممنوعاً عليّ طوال السنوات العشر أن أغادر مدينة حيفا.

 ومن العام 1967 لغاية العام 1970 كان  ممنوعاً من مغادرة منزله، وكان من حق الشرطة أن تأتي ليلاً لتتحقق من وجودي. وكان يعتقل في كل سنة ويدخل السجن من دون محاكمة. ثم اضطر إلى الخروج.

انتسب إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي وعمل في صحافة الحزب مثل الاتحاد، والجديد التي أصبح فيما بعد رئيس تحريرها. اتهم بالقيام بنشاط معاد لدولة إسرائيل؛ فطورد واعتقل خمس مرات 1961م، و1965، و1966، و1967، و1969، وفرضت عليه الإقامة الجبرية حتى العام 1970.

لمحمود درويش رأي غير تقليدي في سيرته الذاتية حين قال: أولاً ما يعني القارئ في سيرتي مكتوب في القصائد. وهناك قول مفاده أن كل قصيدة غنائية هي قصيدة أوتو- بيوغرافية أو سير- ذاتية، علماً بأن هناك نظرية تقول إن القارئ لا يحتاج إلى معرفة سيرة الشاعر كي يفهم شعره ويتواصل معه. ثانياً يجب أن أشعر بأن في سيرتي الذاتية ما يفيد، أو ما يقدم فائدة. ولا أخفيك أن سيرتي الذاتية عادية جداً. ولم أفكر حتى الآن في كتابة سيرتي. ولا أحب الإفراط في الشكوى من الحياة الشخصية ومشكلاتها. ولا أريد بالتالي أن أتبجّح بنفسي، فالسيرة الذاتية تدفع أحياناً إلى التبجح بالنفس، فيصوّر الكاتب نفسه وكأنه شخص مختلف. وقد كتبت ملامح من سيرتي في كتب نثرية مثل "يوميات الحزن العادي" أو "ذاكرة للنسيان" ولا سيما الطفولة والنكبة.

محطة موسكو توجه إلى الاتحاد السوفييتي للدراسة عام 1970

كانت أول رحلة له خارج فلسطين إلى موسكو. وكان طالباً في معهد العلوم الاجتماعية، ولكن لم يكن له هناك بيت بالمعنى الحقيقي, كان غرفة في مبنى جامعي.

أقام في موسكو سنة وكانت موسكو أول لقاء له بالعالم الخارجي. حاول السفر قبلاً إلى باريس لكن السلطات الفرنسية رفضت دخوله إلى أرضها في العام 1968. كانت لديه وثيقة إسرائيلية لكنّ الجنسية غير محددة فيها. الأمن الفرنسي لم يكن مطلوباً منه أن يفهم تعقيدات القضية الفلسطينية. فكيف يحمل وثيقة إسرائيلية وجنسيتيه غير محددة فيها  وكان يقول بإصرار إنه فلسطيني. أبقوه ساعات في المطار ثم سفّروه إلى الوطن المحتل.

كانت موسكو أول مدينة أوروبية وأول مدينة كبيرة يعيش فيها. طبعاً اكتشف معالمها الضخمة ونهرها ومتاحفها ومسارحها. تصور ما يكون رد فعل طالب فتيّ ينتقل من إقامة محاصرة إلى عاصمة ضخمة! تعلم الروسية قليلاً ليتدبر أموره الشخصية .

فقد الفكرة المثالية عن الشيوعية لكنه لم يفقد  ثقته بالماركسية. كان هناك تناقض كبير بين تصوّرنا أو ما يقوله الإعلام السوفييتي عن موسكو والواقع الذي يعيشه الناس، وهو مملوء بالحرمان والفقر والخوف. وأكثر ما هز درويش لدى الناس هو الخوف. وإضافة إلى هذا الخوف كان يشعر أن الدولة موجودة في كل مكان بكثافة. وهذا ما حوّل مدينة موسكو من مثال إلى مدينة عادية.

محطة القاهرة 1970 -1972

الدخول إلى القاهرة كان من أهم الأحداث في حيات درويش الشخصية. في القاهرة ترسخ قرار خروجه من فلسطين وعدم عودته إليها. ولم يكن هذا القرار سهلاً. فكان يصحو من النوم وكأنه غير متأكد من مكان وجوده. أفتح الشباك وعندما يرى النيل يتاكد من أنه في القاهرة. وجد درويش نفسه يسكن النصوص الأدبية التي كان يقراها. فهو أحد أبناء الثقافة المصرية تقريباً والأدب المصري.

التقي في محمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ وسواهما، والتقي كبار الكتاب مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم, عينه محمد حسنين هيكل في نادي كتّاب "الأهرام

في القاهرة تمّت ملامح تحوّل في تجربته الشعرية وكأن منعطفاً جديداً يبدأ

كان يُنظر إليّ درويش عندما كنت في الأرض المحتلة كونه شاعر المقاومة. وبعد هزيمة 1967 كان العالم العربي يصفق لكل الشعر أو الأدب الذي يخرج من فلسطين، سواء كان رديئاً أم جيداً. اكتشف العرب أنّ في فلسطين المحتلة عرباً صامدين ويدافعون عن حقهم وعن هويتهم. اكتسبت إذاً النظرة إلى هؤلاء طابع التقديس، وخلت من أي ذائقة أدبية عامة. هكذا أُسقطت المعايير الأدبية عن نظرة العرب إلى هذه الأصوات المقاومة بالشعر والأدب في الداخل. ومن القصائد المهمة التي كتبها في القاهرة قصيدة "سرحان يشرب القهوة في الكفاتيريا" ونشرت في صحيفة "الأهرام" وصدرت في كتاب "أحبك أو لا أحبك".

محطة بيروت

بعد القاهرة انتقل إلى بيروت مباشرة عاش فيها من العام 1973 إلى العام 1982. ولا زال الحنين  إلى بيروت في قلبه  , وعنده مرض جميل اسمه الحنين الدائم إلى بيروت. لا يعرف ما هي أسبابه.

أن أجمل ما كتب درويش ديوان "تلك صورتها وهذا انتحار العاشق". ولكن بعد اندلاع الحرب صار الدم والقصف والموت والكراهية والقتل, كل هذه صارت تهيمن على أفق بيروت وتعكره. وفي بيروت فقد درويش غسان كنفاني ,ولم يكتب عن الحرب اللبنانية إلا كتابة شبه نقدية.

وعندما خرجت القيادة الفلسطينية والمقاتلون الفلسطينيون من بيروت لم يخرج ولكنه  بقي في بيروت أشهراً عدة. لم يتوقع أن الإسرائيليين سيحتلون بيروت.

جاء إلى دمشق أواخر 1982 ليحيي أمسية كانت مقررة على مدرج جامعة دمشق التي لم يتسع مدرجها للجماهير، فاضطرت الجهة المنظمــة إلى نقل الحــضور إلى مـــدرج الأسد في باصات النقل العام والعسكري، فوجئ الشاعر بأن المدرج والملعــــب مليئان فقال أحد الشعراء "الجندي" عبـــارته التي بقي محمود يرددها "والله لو قتلناه ـ نحــن الشــعراء ـ وشرحنا أسبابنا للقاضي سنأخذ براءة!!".

محطة تونس/ باريس

غادر دمشق إلى تونس ورأي خلالها الرئيس عرفات والاخوان في مشهد تراجيدي. رأي الثورة الفلسطينية تقيم في فندق على شاطئ بحر. كان المشهد مؤلماً جداً ويستدعي كتابة رواية عن هذا المصير. لكن عرفات سرعان ما أعاد بناء مؤسسته. وقال له واصل إصدار "الكرمل", وصدرت "الكرمل" من قبرص فيما كان هو رئيس تحريرها في باريس وتتم طباعتها في نيقوسيا .

عاش في باريس نحو عشر سنوات ولكن في شكل متقطع، إذ كان يسافر باستمرار. وبقي قريباً من منظمة التحرير في تونس.

مرحلة عمان- رام الله

بعدما أصبح في إمكانه العودة إلى "جزء" من فلسطين وليس إلى "جزء" شخصي بل إلى "جزء" من وطن عام، وقف طويلاً أمام خيار العودة. وشعر بأن من واجبه الوطني والأخلاقي ألا يبقى في المنفى. اتخذ الخطوة الشجاعة الثانية بعد الخروج وهي خطوة العودة. وهاتان الخطوتان من أصعب الأمور التي واجهها في حياته الخروج والعودة. اختار درويش عمان لأنها قريبة من فلسطين ثم لأنها مدينة هادئة وشعبها طيب.

لم تختلف حياته في بيروت وباريس والقاهرة عن حياته في عمان وإن كان أبرز ما يميزها أن معظم وقت درويش في عمان كان للعمل الجاد، خير دليل على ذلك أعماله الشعرية جميعها التي صدرت عن دار رياض الريس في بيروت مثل: الجدارية 2000، حالة حصار 2002، لا تعتذر عما فعلت 2004، كزهر اللوز أو أبعد 2005، في حضرة الغياب 2006، أثر الفراشة 2008، معظم هذه الدواوين كتبت بين عمان ورام الله.

طقوسه اليومية في الكتابة

كانت لدرويش طقوس وعادات يومية لا يرغب في أن يخترقها أحد، ولا سيما ساعات قراءته وكتابته. وكان يعيش وحيدا في شقته إذ سبق أن تزوج مرتين وانفصل بالتراضي. لم يكن ينام عند أحد، ولا يرغب في أن ينام عنده أحد غالبا إلا بعض الأصدقاء الذين يأتون إليه أحيانا من فلسطين وبشكل استثنائي. وكان ينام عادة مبكرا ولا يتجاوز الثانية عشرة ليلا ويستيقظ حوالي الثامنة، ويبدأ بحلاقة ذقنه والحمام وتناول القهوة، ثم يلبس أجمل ثيابه وحذاءه، كما لو أنه سيذهب إلى موعد رسمي، ويجلس خلف الطاولة ينتظر الإلهام بالكتابة، أو ليقتنص الوحي كما كان يعبر عن ذلك. وأحيانا يكتب صفحة أو صفحات وأحيانا لا يكتب شيئا، المهم أن هذا الطقس كان مقدسا. كانت لشقة محمود ثلاثة مفاتيح، فقد كان خائفا من الموت وحيدا دون أن يشعر به أحد قال "الستون رقم مرعب جدا، ترى ماذا سيحدث بعد ذلك؟".. قال درويش! وكان يخاف من الموت وحيدا كما حدث للشاعر معين بسيسو.

كان درويش منشغلا بالقراءة والكتابة جلّ وقته. يتحدث العبرية والإنجليزية والفرنسية. يحب سماع الموسيقى الكلاسيكية لكبار الموسيقيين مثل بيتهوفن وتشايكوفسكي، وغالبا ما يسمع الموسيقى أثناء الكتابة، ولديه مجموعة كبيرة من الأشرطة والأقراص الموسيقية. كان يحب سماع عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، ويتابع المسلسلات التاريخية. أما تسليته فكانت في لعب النرد "طاولة الزهر" التي ينهمك في أجوائها، يصرخ أحيانا، ويغتاظ أحيانا أخرى مثل أي طفل، أما مشاهدته للتلفزيون، فقد كان مغرما بالدراما، وخاصة في رمضان.

اعترف أصدقاء درويش المقربون بأنه كان يصنع لهم القهوة بنفسه، ويتفنن في ذلك، ولا يحب أن يصنعها أو يقدمها لهم أحد غيره. كان يصر على أن يصنع القهوة بيديه، ويخدم زواره.

كان محمود طباخا ماهرا، يتقن ثلاث أكلات ويتفنن في تقديمها؛ وهي الملوخية والفاصولياء البيضاء والبامياء. وكان يسهب في وصف طريقته للطبخ، وكيف يقوم بانتقاء اللحمة ونوعها، ونوعية البهارات التي يستخدمها، وتفاصيل الملح والثوم وغيرها. أما الوجبة التي كان يعشقها، ويختارها إذا ما عزمه أحد وخيّره بنوعية الطعام فهي "المنسف" التي يعتبرها وجبة لذيذة.

الاقتراب من عالم درويش

كان محمود محبا صادقا وودودا لأصدقائه وللناس بشكل عام، وهو متواضع جدا، وخجول لا يحب اللقاءات الاجتماعية التي يزيد فيها الحضور عن ستة أشخاص. كان معتدلا في حياته، وفي طعامه وشرابه ونقاشاته، ولم يكن متطرفا برأيه، هو متسامح جدا، ولم تكن لديه عداوات مع أحد، ونادرا ما يذم أحدا من الشعراء أو غيرهم، كان كريما وغالبا ما "يعزم" أصدقاءه.

ولم يكن يستطيع الذهاب إلى الأحياء الشعبية أو التجول في الشوارع مثل عامة الناس لكثرة ما يصادف من المعجبين والإحراجات. قام بتوزيع جزء كبير من مكتبته على بعض أصدقائه، وكأنه لم يرغب في إبقاء غير مئة كتاب مثلا ليحتفظ بها وتكون في متناول يده. استقبله عدد من الملوك والرؤساء مثل ملكة هولندا، وملك المغرب، ورئيس وزراء فرنسا والرئيس التونسي وغيرهم.

لعل أكثر ما يثير الإعجاب بشخصيته سرعة البديهة، وخفة الظل، وذلك التهذيب العالي في الحديث، واللباقة في التعاطي مع الآخرين، واحتفاله بتجارب الآخرين، لا سيما الشعراء الشباب. وكان يفرح من قلبه عند اكتشافه لشاعر متميز، ولا يتوانى عن إبداء إعجابه بنص جميل بدون تحفظ،. وكان مستمعاً جيداً يتابع محدثه باهتمام وفضول، ولا يميل إلى التنظير، ولا يحب دور الأستاذ الذي يتوقعه منه البعض.. يسمع جيدا ويناقش.. يقرأ الصحافة ويقرأ الكتب التي تهدى إليه، ويعبر عن رأيه فيها.

عام 1997 شارك للمرة الأولى في مهرجان جرش وافتتح المسرح الشمالي الذي كان مغلقا لألفي عام فيه لأول مرة، حيث قرأ لمحبيه ومتابعيه أشعاره بمرافقة عازف العود سمير جبران، شارك في مهرجان جرش مرات عديدة منها أمسيته الشهيرة في قصر الثقافة، قال لجمهوره حينما صعد المنبر: سأقرأ بعضا مما تحبون، وبعضا مما أحب. وقرأ قصائد قليلة من قديمه، ثم وبلمسة ساحر أو مثل قائد أوركسترا متمرس بدأ بقراءة اختياراته هو، وهكذا سحب الجمهور إلى الشعر الخالص، إذ قرأ نصوصا عالية تقبلها الجمهور بكل سلاسة.

توقيع كتبه

نشط درويش في السنوات الأخيرة بإقامة حفل توقيع لإصداراته الجديدة في مركز خليل السكاكيني في رام الله. وفي عمان اختار مسرح البلد في قاع المدينة. كان حفل التوقيع الأول في كانون الأول (ديسمبر) 2005، جاءه حضور كبير تجاوز الـ 1200 شخص، معظمهم من الشباب، ومن طلبة الجامعات والعاملين في مختلف القطاعات، وأتى البعض من سورية، وفلسطين 48 وكانت فرصة للقاء الناس. كان درويش سعيدا يستوقف من يريد التوقيع أحيانا ويسأله عن اسمه ومن أين أتى، ويتعرف إلى البعض أو أهاليهم، أقام حفل توقيع "في حضرة الغياب" بتاريخ 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006، وحفل التوقيع الأخير كان لكتابه "أثر الفراشة" في 23 شباط (فبراير) 2008.

في بداية 2008، بدأ درويش بتوزيع نحو ألف كتاب من مكتبته الضخمة على مكتبات شعبية في جبل النظيف ومخيم البقعة، وكان يرغب في التخفيف من مكتبته التي أخذت تزاحم أثاث بيته، وليقرأها الناس.

كان له دور مميز في رئاسة اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين، ساهم في عقد المؤتمر التوحيدي في الجزائر الذي أعاد اللحمة للكتاب والصحافيين بعد فترة من الانقسام. وشغل رئيس مركز الأبحاث الفلسطيني، وعضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. أسس مجلة الكرمل وكان رئيس تحريرها. صدرت الكرمل في بيروت وانتقلت الى قبرص ورام الله وكانت توزع في الدول العربية.

"لم يجامل درويش يوما ولم يتخل عن ثوابته ولم يرهب أحدا لا كبيرا ولا صغيرا. وكثيرا ما كنا نضطر إلى الذهاب إلى مكان الأمسية قبل نصف ساعة أو أكثر ليطمئن. وكان دائما قلقا قبل كل أمسية. يرتب قصائده بدقة أيها يقرأ أولا وثانيا وأخيرا. ويسأل أيهما أجمل للبداية هذه أم هذه؟ تبدأ معركة محمود مع محمود إذا جاز التعبير فتكثر خلوته إلى نفسه. يوقف السفر، ويقلل كثيرا من استقبال الأصدقاء، ويتحول إلى حرفي (حداد أو نجار ويبدأ الشغل على قصائد الدرج) من موقع الناقد يحذف ويزيد، وعلى نار هادئة وبتأن لم أر مثله، وعندما يتناول قلم الحبر السائل يبدأ بكتابة المخطوطة قصيدة بعد قصيدة ثم يأتي دور التبويب. وعندما يصدر الديوان يبدأ السؤال الكبير: هل أستطيع أن أكتب شعرا أجمل من هذا؟

يجمع أصدقاء ويعتبرهم جمهورا مصغرا له يقرأ لهم كل جديد، ويطلب رأيهم. طالبه البعض أن يشطب مقدمة "في حضرة الغياب" لكنه رفض. أدمن محمود التفوق على نفسه، فهو يريد فنا متطورا يخاطب الأغوار العميقة في النفوس، ويبقى أثرها في الوجدان، وكان دائما حريصا على أن يجمع بين هذا الفن المتطور والانتشار الجماهيري الواسع، ويصر على أن يقرأ للحشود بعضا من أصعب قصائده، ولا يستجيب للطلبات. وفي الوقت عينه كان يستمع إلى رأي أصدقائه حتى إن صديقا طلب منه شطب أكثر من عشر صفحات واستجاب له. كان محمود يرغب في الحياة لسنوات قليلة مقبلة لينجز عملا كبيرا يراوده. الموت كان حاضرا بقوة، وأصبح هما يوميا وعاديا وأصبح محمود يسابق الزمن، ويسعى كثيرا ويعمل أكثر. محمود الذي لم يكن يرغب في عمل واحد ونشاط واحد في العام قدم هذه السنة أمسيات شعرية في فرنسا وإيطاليا وكوريا وفي رام الله وحيفا وفي القاهرة وتونس وعمان، وحصد الكثير من الجوائز منها جائزة "ملك الشعر" من مقدونيا، وهي عبارة عن تاج ذهبي، وجائزة الشعر العربي من مصر، وجائزة من تونس، وتبرع بالقيمة المالية بالجائزتين الأخيرتين لصالح صندوق الطالب الفلسطيني .

ومحمود لم ينس يوما أنه فلسطيني ولاجئ، ومن هنا كانت أهمية المكان في قصائده للدفاع عن الذات والثقافة وعن الذاكرة الفلسطينية، وعن الحق والحرية، ولهذا كان يعتبر معركته مع الاحتلال والظلم والاستعباد والقهر والظلام، وأن سلاحه في هذه المعركة هو الشعر.

غادر محمود درويش عمان وهو غير متأكد من رجوعه سالما إليها، ولهذا أجرى نوعا من تبرئة الذمة المبكرة، فقد أعطى العاملة الفلبينية حسابها المالي مقدما، ونقد حارس العمارة المصري أيضا حسابه، وقال لهما إنه ربما لن يعود. كان يوم الأحد 27 تموز (يوليو) 2008 هو اليوم الذي سبق سفره الأخير إلى أميركا. سافر محمود من عمان برفقة صديقه أكرم هنية إلى أميركا صباح الاثنين 28 تموز (يوليو). أما صديقه علي حليلة فقد كان سبقه إلى هيوستن ليستقبله هناك ويرتب له أمر العملية الجراحية. لم يكتب وصية، ولم يقل الكثير في لحظاته الأخيرة.

توفي في الولايات المتحدة الأمريكية يوم السبت 9 أغسطس 2008 بعد إجراء عملية القلب المفتوح في المركز الطبي في هيوستن، التي دخل بعدها في غيبوبة أدت إلى وفاته.

نعى رئيس السلطة الفلسطينية رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير محمود عباس شاعر فلسطين الكبير محمود درويش، وأعلن الحداد 3 أيام في كافة الأراضي الفلسطينية حزنا على وفاته، واصفا درويش "عاشق فلسطين" و"رائد المشروع الثقافي الحديث"، والقائد الوطني اللامع والمعطاء".

وري جثمانه الثرى في 13 أغسطس في مدينة رام الله حيث خصصت له هناك قطعة أرض في قصر رام الله الثقافي. وقد شارك في جنازته الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني وشخصيات أخرى في مقدمتهم الرئيس محمود عباس.وتم نقل جثمان الشاعر محمود درويش إلى رام الله بعد وصوله إلى العاصمة الأردنية عمّان ، حيث كان هناك العديد من الشخصيات من العالم العربي لتوديعه.

المؤلفات

بدأ كتابة الشعر في المرحلة الابتدائية وعرف كأحد أدباء المقاومة، ولدرويش ما يزيد على ثلاثين ديوانا من الشعر والنثر بالإضافة إلى ثمانية كتب، وقد ترجم شعره إلى عدة لغات، وأثارت قصيدته عابرون في كلام عابر جدلا داخل الكنيست. 

نشر آخر قصائده بعنوان "أنت منذ الآن غيرك" يوم 17 يونيو/حزيران 2007، وقد انتقد فيها التقاتل الفلسطيني. ومن دواوينه عصافير بلا أجنحة، أوراق الزيتون، أصدقائي لا تموتوا، عاشق من فلسطين، العصافير تموت في الجليل، مديح الظل العالي، حالة حصار،... إلخ.

الجوائز والأوسمة

حصل على عدة جوائز منها جائزة لوتس عام 1969، جائزة البحر المتوسط عام 1980، دروع الثورة الفلسطينية عام 1981، لوحة أوروبا للشعر عام 1981، جائزة ابن سينا في الاتحاد السوفياتي عام 1982، جائزة لينين في الاتحاد السوفياتي عام 1983، جائزة الأمير كلاوس (هولندا) عام 2004، جائزة العويس الثقافية مناصفة مع الشاعر السوري أدونيس عام 2004.