إثيوبيا وإستعادة الولايات المتحدة لدورها العسكري في الصومال


آخر تحديث: August 7, 2017, 2:45 pm


أحوال البلاد
بقلم: السفير بلال المصري

نشر موقع THE HILL بتاريخ 5 مايو 2017 تقريراً بعنوان ” الولايات المتحدة ليست بحاجة إلي إثيوبيا في حربها علي الإرهاب في القرن الأفريقي” وبرر كاتبه ALEMAYEHU G. MARIAM رأيه بأن وزير الدفاع الأمريكي Jim Mattis زار عدة دول بالشرق الأوسط لإعادة تأكيد التحالف العسكري بينهم وبين بلاده كما زار جيبوتي هذا البلد الصغير بالقرن الأفريقي لكنه لم يزر إثيوبيا مما يعني أنها أي إثيوبيا غائبة وبوضوح عن مصفوفة الشراكة الإستراتيجية للولايات المتحدة , وهي التي أكد الرئيس السابق باراك أوبما في سبتمبر 2014 أهميتها الحيوية في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة علي الإرهاب, وفي التقدير أن الدور الإثيوبي لا غني عنه للولايات المتحدة في الصومال لأسباب مختلفة أهمها أن إثيوبيا مُهيئة بطبيعة التكوين النفسي لقطاع من شعبها خاصة الأمهرا المُتعالي عن باقي الأعراق الإثيوبية كالتيجراي والأرومو وبالطبع الصوماليين، وكذلك بحكم الأساس الذي أرساه نظام Derg أو لجنة تنسيق القوات المُسلحة الإثيوبية تجاه الصومال منذ غزو الرئيس الصومالي الأسبق سياد بري لإثيوبيا عام 1977 لتبني موقف هجومي إزاء الصومال رسخته الأطماع الإثيوبية في موارد وأرض والإطلالة البحرية (إثيوبيا بلد حبيس منذ إستقلال أريتريا) للصومال , وهو ما يجعل إثيوبيا دائماً الأنسب لأداء دور شرس يتفق والمزاج الأمريكي من قضية الصومال التي يصر عدد كبير من المحللين السياسيين ومنصات العصف الذهني بالولايات المتحدة علي النظر إليها كبؤرة إرهاب وليس كدولة حرصت الولايات المتحدة وحليفتها التي لا غني عنها إثيوبيا علي تدمير وحدته كل منهما بأدواته , ومن ثم فلا مبرر منطقي يمكن أن نسوقه لنصل إلي نتيجة تبعد بنا عن الحقائق الأساسية في علاقة الولايات المتحدة بإثيوبيا , فزيارة وزير الدفاع الأمريكي لجيبوتي ترتبط بصفة أولية بالموقع الجيوبوليتيكي الجديد لجيبوتي التي أصبحت والحالة هذه وبعد إقامة قاعدة سعودية بها للإدارة والسيطرة علي تحركها العسكري باليمن جزءاً من مفهوم الشرق الأوسط الأكبر Greater Middle East والذي تم صكه بسبب تركيبة أزمة اليمن التي اشتدت وأكتسبت بعداً إقليمياً أوسع بدخول إيران فيها وأعتمد هذا المفهوم خلايا بعينها داخل أهم دوائر صنع وإتخاذ القرار الأمريكي للعمل به من خلال إنشاء حلف شرق أوسطي جديد علي غرار NATO – وهو أحد أهداف زيارة Mattis لجيبوتي ودول شرق أوسطية – وهو حلف تشكله الولايات المتحدة بإشراف قيادتين من قياداتها العسكرية الست المُوزعة حول العالم وهما القيادة العسكرية المركزية الأمريكية USCENTCOM والقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM ليخدم مجمل استراتيجيتها العالمية والشرق أوسطية علي نحو خاص , ويتكون هذا الحلف العسكري الذي سيدور في فلك حلف NATO من دول تابعة مُقتنعة بل مُؤمنة بالمفهوم الأمريكي إزاء قضية الإرهاب بإعتباره خطراً علي المصالح العليا الأمريكية والتي تعتبر موارد دول حلف الشرق الأوسط جزء عزيز منها .

بناء علي ذلك فالولايات المتحدة لم تتخل ولن تتخلي عن اعتبار إثيوبيا حيوية لمجمل إستراتيجيتها ليس فقط إزاء الصومال بل إزاء القرن الأفريقي الأكبر Greater Horn of Africa والذي كان مفهوماً جيوبوليتيكياً انبثق في عهد الرئيس كلينتون نتيجة تطور مفهوم الأمن القومي الأمريكي ذاته كما تترجمه وثائقه بعد 11 سبتمبر , فالسياسة الإثيوبية إزاء الصومال تتميز بمرحلتين أولهما مرحلة إحتواء الصومال Containment وبدأت بعد إنهيار نظام سياد بري إثر هزيمته في حرب الأوجادين مع إثيوبيا عام 1977 لكن الصومال وبالرغم من إنهياره وبدء الحرب الأهلية به في ديسمبر 1990 , شكل خطراً أعظم عن ذي قبل علي إثيوبيا فبانهيار الدولة الصومالية نشطت غريزة البقاء فتولدت حركات جهادية أهمها حركة الشباب التي هي في جوهرها رغبة لا مراء في أنها ميل طبيعي لدي شعب الصومال في إستعادة كيان الدولة ولما كان الليبراليون والذين يدينون بولاء قوي طوعي للقوي الكبري داخل الصومال لا تستهويهم فكرة استعادة الكيان باعتبار أن إذابة الصومال بقدر ما هي مصلحة براجماتية من الكثير منهم فهي بنفس القدر وضع مثالي لتمركز وتكثيف المصالح للقوي الكبري التي وجدت في تهمة الإرهاب أنسب غطاء لحركتها الحرة غير المسئولة داخل وحول الصومال الذي تنتهج السياسة الإثيوبية تجاهه في المرحلة الثانية الحالية سياسة زعزعة استقراره بوتيرة مُنتظمة بحيث تمنع دماء المؤسسية من التدفق باتجاه كيان الدولة, فبعد مرور عشر سنوات من الغزو الإثيوبي للصومال وتحت عناوين مختلفة مازالت غالبية شعب الصومال تري في الوجود العسكري الإثيوبي بالصومال مدعاة لعدم الإستقرار وتهديداً ليس فقط لوحدة الصومال المُرتجاة بل لوجوده ولا ينازع إثيوبيا في كراهية معظم الصوماليين لهم سوي كينيا التي تراودها أطماع اقتصادية في الصومال أيضاً .

إن الولايات المتحدة تدرك الأهمية الحقيقية لإثيوبيا كحليف أفريقي احتياجها إليه لا يتوقف , فالموجة الثانية للحرب الأهلية بجنوب السودان والتي بدأت في ديسمبر 2013 ومُستمرة  بلا توقف إلى الآن وهي الأكثر قسوة وتدميراً من الأولي التي كانت مع حكومة الخرطوم 1955- 2005 والتي يقود طرفاها رئيسها سيلفا كير الدنكاوي وريك مشار النويري نائبه السابق , لإثيوبيا دور مُؤثر تلعبه فيها يقع في نطاق المصلحة العليا الأمريكية التي إقتضت السعي في تطبيق إستراتيجية فصل جنوب السودان من خلال الدعم العسكري الأمريكي للتمرد ودول جوار السودان بالتضافر مع الدعم الدبلوماسي من حلفاءها وعلي رأسهم إثيوبيا التي قادت مع كينيا – وكلاهما له أطماعه في الصومال أيضاً – في إطار منظمة IGAD جهوداً أدت إلي التوصل إلي إتفاق السلام الشامل بين متمردي جنوب السودان بقيادة جارانج والحكومة السودانية وتوقيعه في يناير 2005 بناء عليه تم إنفصال جنوب السودان , وبنفس القدر الذي لعبته الدبلوماسية الإثيوبية في فصل جنوب السودان , ها هي تلعبه عسكرياً وسياسياً بل واقتصادياً في إضعاف الصومال من خلال تدخلها العسكري والسياسي المباشر بدعم أمريكي وهي في ذلك وفي إطار مختلف وحياد سلبي أمريكي تطبق نفس السياسة مع مصر بإضعافها من خلال تنفيذ سد النهضة بمواصفات فنية تؤدي إلي خفض ما لايقل عن 25% من حصتها المائية الحالية المُقدرة بنحو 55,5 مليار متر مكعب/ عام من مياه النيل وفقاً لإتفاق الانتفاع الكامل من مياه النيل المُوقع مع السودان في نوفمبر 1959 , وإضعاف وإنهاك مصر هدف مطلوب تحقيقة بحسابات أمريكية/ إسرائيلية مُعقدة .

إن التقارير الإعلامية من داخل الصومال تتحدث عن الإستخدام المُفرط للقوة العسكرية من قبل القوات الإثيوبية والكينية ضد المدنيين في الصومال بوسائل عسكرية مختلفة منها الضربات الجوية الإثيوبية تحت ذريعة مطاردة عناصر حركة الشباب الصومالية المطلوب منهم طبقاً للدعاية الغربية أن يصفقوا استحساناً للتواجد العسكري الأمريكي والإثيوبي والأفريقي علي أرض بلادهم حتي لا يُوصموا بالإرهاب , وهذه القوة العسكرية الإثيوبية المُفرطة تري العسكرية الأمريكية والآخرون أن دافعها الحقد الإثيوبي الكامن ضد الصومال والذي يحرك الآلة العسكرية الإثيوبية في الصومال بلا كابح مما يجعل من الموجات الجهادية ضد كل أنواع الوجود الأجنبي في الصومال تنمو وتقوي وبالتالي يجعل من مهمة العسكرية الأمريكية في الصومال صعبة خاصة وأنها أي الولايات المتحدة تتجنب في عملية إعادة تمركزها حالياً بالصومال تكرار ماحدث عام 1993 بعد ضرب الجهاديين هناك لمروحيتين أمريكيتين طراز Black Hawk بمقديشيو مما أدي إلي مصرع 18 عسكري أمريكي مُثل بهم في شوارع مقديشيو مما إضطر إدارة الرئيس كلينتون باتخاذ قرار بالانسحاب من الصومال, لكن من الواضح أن إدارة الرئيس TRUMP قررت وضع مقاربة جديدة للصومال بعودة العسكرية الأمريكية إلي أراضي هذه الدولة التي لا يُراد لها وجوداً لأسباب أخطرها ما يتعلق برؤية إدارة الرئيس TRUMP للإسلام السياسي التي لا تختلف عن رؤية الإدارات السابقة إلا في درجة الوضوح والميل المُميز للعدوانية , ولذلك أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا في 14 أبريل 2017 عن إرسال 40 عسكرياً من اللواء 101 المحمول جواً للصومال ” لمساعدة الجيش الصومالي الحكومي علي القتال بشكل أفضل ضد عناصر حركة الشباب ” , لكن الأمور لا تُفهم هكذا , فتطور المعارك من جراء الأزمة اليمنية بسبب الدعم العسكري والسياسي الإيراني دعي الولايات المتحدة و الدول المُتفاهمة معها بالشرق الأوسط إلي تكوين تحالف شرق أوسطي يغطي منطقة متسعة انتشرت علي أراضيها قواعد عسكرية بهدف مواجهة إيران والإرهاب وهو ما لم يحدث إبان الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت لثماني سنوات, ولما كانت العلاقات الأريترية / الأمريكية لا تسمح بتأسيس قواعد أمريكية علي الأراضي الأريترية فقد تُرك أمر تأسيسها للدول العربية الموالية للولايات المتحدة والتي سيتكون منها التحالف الشرق أوسطي وذلك في ميناء عصب الأريتري وجزيرة نورا الأريترية , وفي SOMALILAND أقامت الإمارات قاعدة بميناء بربرة, جنباً إلي جنب مع عودة الثقل العسكري الأمريكي للصومال بعدما أعطي الرئيس الأمريكي مؤخراً للقيادة العسكرية الأفريقية AFRICOM حرية عمل أوسع في تنفيذ عمليات عسكرية بالصومال ضد حركة الشباب, وهو بالطبع يدرك أن العمليات العسكرية مختلفة كلية عن الجراحية فالأولي لا تميز بين عسكري أو مدني ولا يعني الإدارة الأمريكية هذا التمييز فالمهم النتائج في النهاية , ومن ثم فالولايات المتحدة كفرنسا في عملية SERVAL التي نفذتها في شمال مالي في نهاية 2013 ضد جماعة أنصار الدين المقاومة نتج عنها ضحايا بالمئات من المدنيين الماليين, لكن هؤلاء الضحايا لم يكونوا ممن انتخب ساركوزي لذا فأمرهم لا يعني فرنسا بل يزيدهم شرف أن يكون مصرعهم قرباناً للعسكرية والديموقراطية الفرنسية تماماً كما سيفعل TRUMP وزمرة العسكريين في AFRICOM في الصومال بمشاركة عربية للأسف تحت فرية الإرهاب التي يبصقونها يومياً عبر إعلامهم المُدرب علي الكذب .

الولايات المتحدة تستعيد دورها العسكري بالصومال هذا كل ما في الأمر , بعد أن ظل هذا الدور غير مباشر تنهض به قوة الإتحاد الأفريقي في الصومال AMISOM المممولة كشأن كل عمليات حفظ السلام الأفريقية من المانحين الدوليين وعلي رأسهم الولايات المتحدة ونادي المُستعمرين القدامي بمقرهم ببروكسل الذين يجمعهم بها مبنيان الأول لحلف الأطلنطي والثاني للإتحاد الأوروبي وبين المبنيان شارع تجري فيه دماء الصوماليين والشعوب الأخري وتُداس فيه القيم , كما أن إثيوبيا وإلي حد ما كينيا كلتاهما كانتا – قبل هذا التدخل الأمريكي الجديد – داعمتان مباشرتان لما يُوصف بأنه ” جهود AMISOM في حفظ السلام في الصومال ”, ومع ذلك فسيبقي الدور الإثيوبي في الصومال مطلوباً ومرغوباً من قبل الولايات المتحدة طالما ظل الحقد والكراهية يدفعان أديس أبابا لممارسة العدوان المُسمي بحفظ السلام في الصومال , بل إن استعادة الولايات المتحدة لتواجدها العسكري المباشر في الصومال بذريعة دعم الاستقرار وفي نفس الوقت حماية نظام موال يتولاه هناك رئيس مزدوج الجنسية سيستدعي في الأجل القصير أرساء مبادئ أكثر فاعلية وصلابة للتنسيق ما بين العسكرية الإثيوبية والقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا التي تعتبر الصومال والحالة هذه مجالاً حراً للعمل والتأثير العسكري والأمني الأمريكي في عموم منطقة القرن الأفريقي الأعظم , وربما كنتيجة لذلك أصبح التواجد والإرتكاز العسكري الأمريكي في الصومال مساوياً لثقل التواجد العسكري الأمريكي في القاعدة الأمريكية في جيبوتي بمعسكر Camp Lemonnier مما سيُقلل نسبياًمن أهمية التواجد العسكري البحري الأمريكي في Diego Garcia, ولبيان حيوية الدور الإثيوبي للعسكرية الأمريكية بالقرن الأفريقي يمكن وبإستخدام المبالغة تأكيد ذلك بالقول بأنه لولا أن إثيوبيا في حالة عداء سافر مع مصر بسبب التأثير السلبي لسد النهضة علي أمن مصر المائي لقبلت مصر بإنضمامها لحلف الشرق الأوسط بالرغم من حقيقة الموقف الإثيوبي الهدام لمستقبل الصومال .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  بلال المصري، سـفـيـر مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر

المصدر:

"المركز الديمقراطي العربي" الصادر من "برلين" ألمانيا