أربعة أعوام علي الجمعة السوداء في رفح و لا زالت رائحة الموت في كل مكان


آخر تحديث: August 2, 2017, 10:53 am


أحوال البلاد

تقرير محمد عابد
الجمعة الفاتح  من شهر  أغسطس  عام 2014 يوم نفذت قوات الاحتلال الصهيوني مجزرة صبرا وشاتيلا في القرن الواحد والعشرين ولكن في مكان جديد مدينة رفح جنوبي قطاع غزة لتصبح الجمعة السوداء كما سماها أهالي مدينة رفح أبشع مجزرة  شهدتها مدينة رفح منذ العام 1956، حيث قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال العدوان الأخير على قطاع غزة عام 2014 بقتل العشرات من المواطنين الفلسطينيين في مدينة رفح إضافة إلى جرح المئات من المدنيين الأبرياء هذا  و أعلنت وزارة الصحة عن حصيلة مجزرة رفح  100 شهيد وأكثر من 400 جريح .
أربعة سنوات مضت  وما زال الناجون من براثنها يحتفظون بحكايات وتفاصيل مروعة، عن عمليات قتل, بل إبادة جماعية، راح ضحيتها عشرات الشهداء والجرحى، معظمهم من المدنيين العزل.
حول هذه الأحداث، يتحدث المواطن سمير موافي في الأول من أغسطس، كان الأمر ذاهباً إلى هدنة, المواطنون هيئوا أنفسهم لهدنة, في بدايات الفجر كان هناك توغل مفاجئ لجيش الاحتلال, حينها، لم يكن هناك وجود لأخبار طبعا! الجميع تفاجأ بتقدم الآليات، حتى المقاومة الفلسطينية هيَّأت نفسها وبدأت بالخروج من الثغور والتنقل على اعتبار أنَّ هنالك تهدئة.  الآليات تقدمت حوالي 2 كيلو ونصف، حتى اعتلى الجنود بعض المنازل, وحدثت حادثة الخطف حينها لهدار جولدن! منذ ذلك الوقت والقذائف كالمعتاد, تُطلق بين الحين والآخر.
ويتابع موافي حديثه واصفاً ليلة الأول من أغسطس، حتى دخلت الساعة الثامنة، القصف لم يهدأ في ذات الساعة تبيَّن أنَّ هناك حالة خطف لأحد الجنود الإسرائيليين, كما تداولت وكالات الأنباء, المقاومة في غزة لم تعلن ذلك عبر بيانتها أو حتى أجهزتها اللاسلكية.
احتفظت بالسرية في هذا الأمر,وفي تمام الساعة التاسعة تقريبا بدأت المجزرة, المواطنون شرق رفح بدؤوا بالنزوح من بيوتهم, والصواريخ تنهال عليهم كما المطر .
يصف موافي المشهد لمراسل أحوال البلد لك أن تتخيل الأمر، آلاف المواطنين في الشوارع يهربون من القصف, ليتبعهم قصف آخر وهم في الطرقات وبين الأزقة , ويضيف موافي من يستطيع أن ينفذ بجلده فليكن , لا أحد يستطيع أن ينقذ أحداً آخر غير نفسه، هكذا كان الآمر.
 يصف موافي مشاعره حينها كانت متضاربة بين الأخبار التي تصلنا عن بسالة المقاومة وبين عدد الشهداء, في البداية لم يحدث أي قصف في المنطقة التي أسكن بها, وهذا أممكني  من متابعة الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى الميدان في نفس الوقت. ما حدث في البداية لم تنقل أي وكالة رسمية أو إعلامية عن هول المجزرة التي تحدث في رفح، وكل ما حدث هو تطوع من قبل النشطاء الشباب, ما كان هو أن تشاهد القتلى والجرحى, وقد أُغلق المستشفى الوحيد في رفح بأمر من الجيش الإسرائيلي, ولم يعد في رفح مستشفى الآن! ذهبنا بالجرحى إلى عيادات، منها كانت عيادة توليد نساء!. 
في مجزرة رفح، عدد الشهداء كان يتزايد بفعل عدم وجود مستشفى مركزي  للمصابين, الشهداء نفسهم لا يوجد لهم ثلاجات للموتى, حيث استُعملت ثلاجات الخضروات والفواكه في ذلك الوقت. الشهداء المجهولين يتم تصويرهم بكاميرا الجوال, ويتم دفنهم دون التعرف عليهم. العديد من الشهداء ملقون على أرض المنطقة الشرقية, ولا أحد يستطيع أن يصل لانتشال جثثهم.
الزميل الصحفي بسام عبد الله مصور تلفزيون فلسطين أكد أن مجزرة يوم الجمعة بشعة جداً وأنها تعبر عن مدى إجرام العدو الصهيوني وتعطشه لإراقة الدم الفلسطيني بأي طريقة كانت، وأن الاحتلال اخترق التهدئة التي كان متفق عليها، موقعاً عشرات الشهداء والمئات من الجرحى.
وفي شهادته على المجزرة يقول المصور بسام عبد الله كنت أصور فيديو يصف حياة المواطنين في التهدئة ، وإذ بمعلومات تردنا بوجود خرق للتهدئة برفح، حاولت التواصل مع الزملاء هناك فتعذر الاتصال بهم، عندها قررت التوجه لرفح لأنقل الصورة بشكل مباشر .
وسرعان ما وصلت إلي مدينة رفح لأشاهد كثافة الصواريخ والقذائف المدفعية التي انهالت على البيوت والأراضي والمنازل في وقت متزامن، و يضيف رأيت مشاهد تقشعر لها الأبدان، بجولة قصيرة لم تتجاوز الخمس دقائق، فجثث الشهداء كانت ملقاة على جانبي الطريق في مشهد لم نتخيله حتى بأفلام هوليود.
وأوضح عبد الله أن من أبرز المشاهد المؤثرة في تلك اللحظات، حالة النزوح الضخم من شرق رفح إلى غربها، حيث شهدت شوارع المدينة اكتظاظاً كبيراً رغم الخطر والقصف العشوائي، واستهدافهم من قبل جيش العدو ما رفع أعداد الشهداء بشكل مهول، ناهيك عن زيادة الخوف والذعر في نفوس المواطنين الذين أصبحوا لا يأمنون على أنفسهم أو أبنائهم .
ويوضح عبد الله أنهم اضطروا لنقل عدد من جثث الشهداء والجرحى من الشوارع المستهدفة عبر عربات تجرها حيوانات أو "تكتك" لعدم تمكن سيارات الإسعاف من استيعاب الحدث الكبير.
وأردف لقد سقطت شبكة الاتصالات في مدينة رفح كاملاً وانقطعنا عن العالم الخارجي، وتعمد الاحتلال قصف مداخل المدينة لقطع أي إمداد أو خروج من رفح، الأمر الذي زاد التوتر في نفوس المواطنين، وخاصة مع تزايد أعداد القذائف العشوائية، المنهمرة فوق رؤوس الناس ومنازلهم .
واستذكر عبد الله مشاهد الأشلاء، وجثث الشهداء الموجودة في ثلاجات الخضار، كما عرج على حادثة استهداف مستشفى أبو يوسف النجار الوحيد في رفح، وكيف تم إخلاء الجرحى والطواقم الطبية من هناك، متسائلاً عن مدى الإجرام الذي كان يسيطر على عقلية الاحتلال آنذاك.
وحول ذات الحادثة، يتحدث المواطن مصعب الصوفي  ذاكرا تفاصيل صادمة عن مشاهد قاسية شاهدها خلال هروبه من منطقة شرق رفح، ورؤيته الجثث والأشلاء تتناثر في كل مكان, وقال الصوفي كان القتل يحدث بدم بارد، وبقصد واضح، فالضحايا جلهم مدنيون قتلتهم إسرائيل في الشوارع، كانت الطائرات تصطادهم بصواريخها الضخمة، بينما القذائف العشوائية تقتل وتصيب العشرات من المواطنين الذين يحاولون الهرب إلى أماكن آمنة. ويتابع الصوفي بينما كنت أجري مسرعاً وأردد الشهادة، كنت أقفز عن جثث وأشلاء ملقاة على الأرض، كانت بعض النساء ترفع رايات بيضاء ويحملن صغاراً، ويحاولن الهروب من الموت، لكن القذائف الفتاكة كانت تلاحقهن وباقي النازحين في كلِّ مكان.
من جانبه وصف ضابط الإسعاف رياض منصور ما حدث في مجزرة الأول من أغسطس2014  بالكارثة الإنسانية والأخلاقية، والتي صهرت معاني الرحمة والحضارة بانصهار أشلاء الأطفال وجثث الشهداء.
بدأ رياض منصور يصف ما حدث لحظة بلحظة، فهو يتذكر ذلك اليوم بأدق تفاصيله ومواقفه معبراً عن سخطه وأسفه لما شاهده من تغول الاحتلال وهوان الدم الفلسطيني عليه، وخاصة حينما نتحدث عن عائلات كثيرة تم إبادتها كعائلة ماضي وشيخ العيد و زعرب والشاعر وغيرها علي حد وصفه .
بالعودة إلي يوم المجزرة استحضر منصور صور الأطفال والنساء والشيوخ الذين قتلوا وهم رافعين الأعلام البيضاء، فانهمر الدمع من عينيه وتوقف عن الحديث للحظات، ثم قال حسبي الله و نعم الوكيل .
وعن أصعب اللحظات التي شاهدها في ذلك اليوم يقول منصور كل المشاهد صعبة، وكل الأحداث قاسية، لكن أكثرها تأثيراً كان
حينما أخرجنا أم وهي تحتضن طفليها بين ذراعيها، وآخرين يمسكون بردائها من الخلف، بعدما أغارت الطائرات الصهيونية على منزلهم المكون من أربعة طوابق دون أن يعطوهم فرصة لإخلائه، وهم من عائلة ضهير، الذين استشهد منهم أكثر من 20 شهيد جلهم من الأطفال والنساء.
ويتابع منصور إن عملية انتشال الجثث هو أمر صعب، فالمسعف في النهاية هو إنسان، وله قلب ومشاعر، فلك أن تتخيل كيف يكون حاله وهو يرى الأطفال والأشلاء والأمهات التي حاولن حماية أولادهن فاستشهدوا معاً، هذه الحالات تضعنا في مواقف لا نحسد عليها ونتمنى أنها لم تحدث .
وأوضح منصور أنه أُستُدعي للإدلاء بشهادته أمام منظمة العفو الدولية، كونه أول من أخبر أجهزة الدفاع المدني والشرطة والإسعاف بالاستهداف، عبر غرفة العمليات المشتركة، ويعلم وقت اختراق الهدنة آنذاك، مشدداً أن الاستهداف بدأ الساعة 10:49 صباحاً، وبذلك يفند ادعاء الاحتلال بأن الاستهداف حدث الساعة الثامنة والنصف من صباح ذلك اليوم.
هذا وكانت منظمة العفو الدولية قد أكَّدت بأنَّ الجيش الإسرائيلي شنَّ هجمات انتقامية على مدينة رفح، في شهر آب أغسطس 2014 خلال الحرب الأخيرة صيف العام الماضي. جاء ذلك خلال تقرير أصدرته بعنوان (يوم الجمعة الأسود)، وتحدث عن مجزرة في رفح أثناء الحرب على غزة 2014 حول بعض وقائع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة صيف العام الماضي. واتهمت المنظمة، إسرائيل بارتكاب جرائم حرب في مدينة رفح، أثناء الهدنة بعد أسر أحد جنودها، معتبرةً إياها جرائم ضد الإنسانية وينبغي ملاحقة مرتكبيها.
وقالت المؤسسة في تقريرها هناك أدلة قوية تشير إلى ارتكاب إسرائيل جرائم حرب، عندما كثّفت قصفها على المناطق السكنية في رفح، بهدف إحباط عملية أسر الجندي هدار غولدن.
ما تزال آثار العدوان على غزة واضحة على معالم المواطنين الفلسطينيين في المدينة، فجميعهم يتذكرون هذه الأيام وتمر في ذاكرتهم مجموعة من الصور التي كانت توثق أحداث الحرب وجبروتها، وتؤكد لهم أنَّ العدوان قد سلب منهم حياتهم وأطفالهم، وآمالهم التي لطالما كانت مرتبطة بالأمن، والذي يشكل اليوم حلما كبيراً بالنسبة للفلسطينيين، حيث يتمنى أهالي قطاع غزة أن يعيشوا ولو لفترة بسيطة دون خوفٍ أو فوضى.