الخوف من مروان


آخر تحديث: May 17, 2017, 4:17 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

بعد دخول إضراب الحرية والكرامة شهره الثاني, تبدو النخبة الوطنية/الأسيرة, في كامل لياقتها الكفاحية, فيما بالمقابل تبدو القيادات الرسمية وشبه الرسمية الفلسطينية خارج أسوار وجدران المعتقلات, في قمة ترهلها الكفاحي, وكأن الثانية لا تمت بصلة إلى الأولى .
شهر من الألم الذي لا حدود له, من القتال وجها لوجه, من الاشتباك المباشر, مع سجان احتلالي متغطرس ومجرم, يواجه البطل الفلسطيني احتمالات الموت في كل لحظة, لكن كل هذا لا يفت من عضده قيد أنمله, بعد أن اتخذ قراره بأن يحرر نفسه بنفسه, بل أن يحرر شعبه, الذي يقف منذ سنوات بلا قائد قيادي, يسير به إلى آفاق التحرر والأنعتاق من الاحتلال .
لم تكن هنالك أوهام لدى قيادة وطنية أسيرة من أن اللحظة هي هابطة بكل ما في الكلمة من معنى, بعد ترهل بيروقراطي مرت به قيادة السلطة الفلسطينية, على مدار ربع قرن مضى, باتت محكومة معه بمصالح شخصية ضيقة, بل إن أفرادها أنفسهم لم يعد لمن كان له تاريخ نضالي, أية علاقة بروح الكفاح, فضلا عمن جاؤوا من خارج خنادق الكفاح الوطني, بحيث بات كل ما تحلم قيادة السلطة بتحقيقه أن يقبل بها العدو الإسرائيلي طرفا تفاوضيا, لأنها باتت تخشى من أن تكون إسرائيل قد باتت بغنى عنها, وعن خدماتها الأمنية, فلا تمنع سقوطها .
وقيادة الإضراب تعلم أيضا بأن الإقليم مشغول بملفات عديدة, ليس أولها ولا أهمها الملف الفلسطيني, الذي لا يعتبر أصحابه أنفسهم بأن ملف الاعتقال هو أهم ملف فيه, ولا حتى واحد من ملفاته المهمة, لأكثر من اعتبار وسبب, كذلك فان الداخل الفلسطيني, يعاني من انقسام مركب أو مزدوج, فمن ناحية هناك انقسام عامودي هو الانقسام السياسي/الجغرافي بين سلطتي الضفة وغزة, بين فتح وحماس, والذي يمنع منذ عشر سنوات كسر الحصار عن غزة, وإطلاق المقاومة في الضفة, ومن ناحية ثانية, الانقسام الأفقي, بين سلطتي رام الله وغزة من جهة وبين مواطني الضفة وغزة من جهة ثانية, حيث هناك انفضاض شعبي عن كلا السلطتين المستبدتين, وعدم ثقة بهما, بعد أن أوغلتا في التشبث بالمصالح الشخصية/الفئوية على حساب المصلحة الوطنية وعلى حساب مصلحة المواطنين .
لكن انسداد الأفق أحيانا, يكون أفقا, وكما يقولون حين يكون ظهرك للحائط, وليس هناك من شيء تخسره, فأنك تقدم على اجتراح المستحيل, هكذا فعلت قيادة النخبة الوطنية في المعتقلات الإسرائيلية, وما يؤكد هذا هو أن قيادة الإضراب قد مضى على وجودها في الأسر نحو خمسة عشر عاما, كما أن الإعداد للمعركة أخذ وقته أيضا, أي انه لا وجود هناك لارتجال أو لكون قرار الإضراب رد فعل على موقف أو حادثة معينة . مع ذلك لابد من لحظ  أو قراءة مآل الإضراب, كذلك احتمالات انتصاره وتحقيقه أهدافه المعلنة وغير المعلنة !
أولا لابد من القول بان هذا الإضراب يعتبر الأهم والأقوى منذ عام 1967, وقد لا نبالغ إن قلنا أنه يشبه حصار بيروت, فالاحتلال الإسرائيلي أولا وأخيرا هو احتلال حاجز للحريات وهو عبارة عن سجن كبير للشعب الفلسطيني, لا يمنع عنه حرية الحركة والتحرك وحسب _ حيث أن الحواجز تشبه تماما جدران المعتقلات والسجون _ ولكن أيضا يحرمه من أن يحقق أحلامه بإقامة دولته المستقلة وجمع أشتاته ولم شمل عائلاته . وقد شارك بالإضراب منذ بدايته نحو ربع المعتقلين من الأسرى, يتقدمهم عضو مركزية فتح, مروان البرغوثي قائد الإضراب الذي اسمه يعني خيار الكفاح الوطني, الذي يؤشر على المقاومة الوطنية المنتصرة, التي تعتبر نقيضا لخيار بيروقراطية سلطة الحكم الذاتي المتورطة فيها فتح منذ 23 سنة وحماس منذ عشر سنوات, واستطلاعات الرأي تشير إلى انه بإمكان مروان البرغوثي أن يحقق الفوز لو ترشح لرئاسة السلطة على أي مرشح حمساوي أو فتحاوي بالطبع, لذا فان فتح/ عباس وحماس معا تخشيان من خروجه من السجن لأن احتمال أن يتولى مقاليد القيادة الفلسطينية كبيرة جدا .
ثانيا _ يشكل الإضراب فعلا معاكسا لكل حالة القنوط المستمرة منذ عشر سنوات على الأقل, حاول الشباب الفلسطيني, أن يشب عن طوق قيادة سياسية شائخة قبل اقل من عامين عبر انتفاضة السكاكين والدهس, لكنه فشل, لذا فان تحمل القيادة الأسيرة روحها على كفها, يعني أن تبدأ عربة الكفاح الوطني بالتحرك مجددا, لذا فهي تراهن على الشعبي, وليس على السلطوي, ولا حتى على الفصائلي .
ثالثا _ جاء هذا التحرك بعد أن وصل الواقع الفلسطيني إلى طريق مسدود, بحيث أن حدوث توتر درامي في معركة عض الأصابع هذه, من مثل سقوط شهداء, سيؤدي إلى انفجار, لن تعود معه لا أجهزة أمن السلطة ولا إسرائيل قادرة على السيطرة, بما يفتح على مواجهة مؤجلة منذ سنوات بين الشعب الفلسطيني بقطاعاته الشعبية وبين جيش ومستوطني الاحتلال .
رابعا _ دروس التجربة تؤكد أن الأسرى سيحققون أهدافهم, فمن قبل أضرب أفراد ضد الاعتقال الإداري وكسروا إرادة السجان وحققوا مطالبهم, لذا فإنه من شبه المؤكد أن يحقق الإضراب معظم مطالبه المعلنة, لكن الرهان هو على ما هو غير معلن من تحقيق المطالب والأهداف السياسية, التي أقلّها إعادة روح الأمل والثقة في الشعب الفلسطيني بالقول له بأن هناك قيادة وطنية, ليست مريضة بالسلطة, بمقدورها أن تواصل معه مشوار الكفاح حتى تحقيق النصر والتحرير .
حتى الآن _ يمكن القول بان التفاعل الشعبي مع الإضراب كان متوسطا, فيما كان التفاعل الفصائلي ضعيفا, أما التفاعل السلطوي فكان مخزيا, ومن أجل المقارنة نشير إلى إقدام حكومة جنوب أفريقيا على الإضراب تضامنا مع أسرانا, فماذا فعلت حكومة رام الله ولجنة غزة؟ لكن هذا الأمر هو في صالح القيادة الأسيرة وضد سلطتي الحكم, لأنه يكشف الحدود الفاصلة بين برنامج الكفاح الوطني وبرنامج الحفاظ على السلطة, أما التحرك السياسي فيهدف إلى احتواء الموقف خشية أن يعود مروان البرغوثي إلى أن يكون عامل الحسم القادم في معادلة الصراع الداخلي بين بيروقراطيتين في رام الله وغزة, لذا فمن لا يتآمر, يبدي عدم الاهتمام على اقل تقدير !