ترايسي شهوان ترسم بيروت بوجهٍ دموي


آخر تحديث: May 16, 2017, 10:00 pm


أحوال البلاد

 

تعامل الروائيون والشعراء مع بيروت بكثيرٍ من الرومنطيقية، فبدت في ما كتبوا، مدينة من الأحلام. دغدغت صورتها المتخيلّة فضولهم لاكتشاف سحرٍ فَتنَ العالم، أدباء ورحّالة وفاتحين. وحين وطأوها، وجدوا فيها مدينة الخلاص. ولكن، في خضم حربها الشرسة، كشفت بيروت عن وجهها القاسي، فاعترف عشّاقها بأنّ بيروتهم هي مدينة التحولات، آملين بعودتها إلى طبيعتها الأولى.

من يقرأ كتاب اللبنانية ترايسي شهوان التصويري «بيروت الدموية» Beirut bloody Beirut (بالفرنسية، جامعة الألبا)، يكتشف أنّ التغيّرات الكثيرة التي طرأت على بيروت صنعت منها مدينة مشوّهة. ابتعدت الكاتبة/ الرسامة من الصور المستنفدة في وصف بيروت، واختارت أن تكتب عنها بأسلوب جديد (الشرائط المصورة)، وبلغة عنيفة مثلها، وصورٍ لا تقلّ قسوة. فالوضع في بيروت بات مفتوحاً على الهاوية، ما يجعل الكلام عنها بعباراتٍ أليفة وانطباعات هادئة ضرباً من السذاجة أو الجنون.

 

مشهد الوافدين

تنطلق ترايسي في كتابها من مشهدٍ يجمع الوافدين من كلّ الدول إلى بيروت في «مطار رفيق الحريري الدولي». عمّال أجانب، سيّاح، شباب بقصّات شعر «هيبيّة»، شيوخ، سيدات محجباب، فتيات بملابس كاشفة... وسط كلّ هذه التناقضات، تلتقي شابتان في الباحة الخارجية. «مساء الخير. الوقت متأخر، فما رأيك أن نتشارك التاكسي. أسكن في جونيه»، «حسناً، أنا أسكن في محيط جونيه أيضاً». وإذا قرأنا بين سطور الحوار الافتتاحي بين بطلتي القصة المصوّرة، نجد استباقاً لمشاعر الخوف أو لنقل الارتياب من «الليل» في مدينة بيروت. ولعلّها لقطة ذكية من الكاتبة التي اختارت لقصتها فتاتين مسافرتين بغية اكتشاف المدينة بعين أخرى. فالنظرة من الداخل لا تبدو دائماً صائبة لأنّ الغريب يغدو مألوفاً والنافر طبيعياً.

تتشارك رامونا وليو سيّارة الأجرة ذاتها، لكنّ اتصالاً هاتفياً يتلقّاه السائق يُخرجه عن المسار، ناسياً أن يمرّ فوق الجسر المؤدي إلى جونيه. الطريق الفرعية تُدخله من طريق الخطأ إلى الضاحية الجنوبية. لا تذكر ترايسي إسم المنطقة، لكنّ جغرافية المكان (على يمين جسر المطار) تدلّ أنّها برج البراجنة. هناك، تتكشّف صورة أخرى لبيروت. تكتظّ الأحياء الضيقة بصور زعيمي الطائفة الشيعية، الأمين العام لحزب الله ورئيس حركة أمل. «أين نحن الآن؟ أبي أوصاني عدم الخروج من بيروت»، تقول إحداهما لتجيب الأخرى بثقة أكبر: «لا تخافي، لبنان بلد صغير، سنخرج من هنا». تزدحم الأحياء المتجاورة بالدراجات النارية، يسوقها شبّان لا يتقيدون بقوانين قيادتها، من الخوذة إلى أشياء أخرى.

وبعد أن يجد السائق منفذاً إلى الأوتوستراد، تتعطّل السيارة في مكان شبه خالٍ، بينما تتوقّف الهواتف أيضاً. يؤمّن لهما سيارة أخرى تسلك الطريق الصحيح، لكنّ سائقها ينحرف بها يميناً ليدخل في طريق مظلمة ثم يركن السيارة بجانب بيت صغير ويطلب منهما الانتظار. يسمعان من مكانهما صوت إطلاق رصاص قبل أن ينزل شخص آخر ويقود السيارة. ومن ثمّ تركب الغريبتان باصاً صغيراً يمرّ من جونية إلى طرابلس، فيه رجلان ملتحيان يدلّ مظهرهما على أنهما متطرّفان. يحدث عراك في الطريق بين شبّان يجلسون على الرصيف، استفزّهم شبّان آخرون على الدراجات النارية بعدما شتموا زعيمهم. تسيل الدماء على الأرض، فترتعب التائهتان قبل أن تلتقي إحداهما بصديق لها، تخبره الحكاية فيصرّ أن يدعوهما على العشاء في بيته ليتذوقا طعام والدته اللذيذ.

في المنزل الدافئ، نجد صورة عن العائلة اللبنانية من الأم التي تطبخ والخالة التي تتدخل في شؤون ابن أختها والجارة التي تقرأ الفنجان لتمضية الوقت. وبعد سهرة حميمة، تذهبان برفقة الصديق كي يوصلهما إلى حيث تريدان. لكنّه يعطي واحدة منهما حبّة هلوسة، توافق على إثرها أن ترافقه إلى الحانة للسهر. هناك تتجلّى صورة بيروت الساهرة. وتختار ترايسي لهذه الصورة ألواناً زرقاء تُدخلها إلى اللونين الأبيض والأسود لتترك جوّاً من الغموض السوريالي. ثم ينتقل الثلاثة إلى حفلة خاصة حيث تكتشف وجوهاً أخرى لبيروت عبر أشخاص أشباه عراة، بعضهم يرقص ويسكر وبعضهم الآخر يمارس الجنس، بينما يعلو صوت الجار المنزعج من ضجتهم: «ألم أقل كفّوا عن الاحتفال هنا». ولسبب ما، تقع مشكلة تدفع أحدهم بأن يرشق الساهرين بالرصاص ليتحول الاحتفال إلى بركة دم.

 

تفاصيل المكان

تغوص ترايسي في تفاصيل المكان البيروتي بأسلوب سكورسيزيّ يأخذنا إلى أجواء After Hours، وTaxi driver وMean ٍStreet. فالدخول إلى المدينة هنا يشبه الهبوط إلى الجحيم في الميثولوجيا الإغريقية، وما تخبئه تحتها أعمق وأكثر بكثير مما يظهر على السطح. وقد أحسنت حين اختارت شرائط الرسوم وسيلةً تُضيء بها حقيقة بيروت، في وجوهها المعلومة والخفية، كاشفةً عن دينامية وعبثية وعدائية لا يدركها إلا من يعيش فيها.

ليل بيروت يفضح عيوبها، لذا تختاره ترايسي شهوان- ابنة الشاعر شارل شهوان- زمناً لحكايةٍ تعرّي فيها مدينة معقدة، قاسية، غريبة، يختلط فيها السهر والمخدرات والجنس والجنون والمجون مع حميمية العائلة والإيمان والتشدّد والانعزال. بيروت ترايسي شهوان ليست مدينة، إنما مدن كثيرة تفصل بينها جدران عازلة، وإن كانت غير مرئية.