كي لا ننسي 15 مايو /أيار ذكري النكبة


آخر تحديث: May 16, 2017, 2:38 am


أحوال البلاد

تقرير محمد عابد
على مساحة أكبر من حلم وأصغر من وطن تمتد حدود فلسطين  راسمه جغرافيا اللجوء والخيمة الأولى ودرب الهجرة إلى الهجرة، وعلى دمعة أكبر من أي وجع تقوم طقوس الولادة هناك، ولادة شعب يخرج من رحم الأرض فيصير الألم مقاومة، والموت حياة والتراب ولادة.
في شوارع من وجع ودماء يكبر أطفال فلسطين على حكايا الليل واحتراق الشموع، في فلسطين ينتثر القهر كالتراب على وجوه الناس وقلوبهم. يُقاس الزمن بمقدار الغضب، بدقات القلوب، بالجنازات، برغيف الخبز، بحبات الدواء بعدد الشهداء والدعاء، ففلسطين لا تشبه أحدا سواها، تمتشق جوعها ووجعها وحزنها وتقاوم، هي الجميلة المهشمة بالرصاص والموت، المتعبة حتى القهر، المسكونة بتاريخ النكبة ، تلم أطراف ثوبها وتمضي لتنبش رمق الحياة من غيم السماء ومن الندى، رغم الموت المختبئ وراء السحاب وخلف البحر وبين شقوق الأرض.
هي  جراح على الجسد يعضها الألم، ودماء يعلقها القاتل على صدره حين يغتال المدينة كل ليلة، يرمي بصلية إلى السماء ليقتل غيمة قبل أن تلد المطر، يحبس الموج قبل أن يصل الشواطئ، يقلب الأرض والتراب قبل أن يعلن الغضب، هي شغف الصغار وولادة أمل لا ينتهي، هي أنشودة البقاء في وجه ترنيمة الموت.
ترمز ذكري النكبة  إلى التهجير ألقسري الجماعي في 15 مايو/ أيار من العام 1948، لأكثر من 750 ألف فلسطيني من بيوتهم وأراضيهم في فلسطين، وتمثلت في نجاح الحركة الصهيونية- بدعم من  حكومة بريطانيا- في السيطرة بقوة السلاح على القسم الأكبر من فلسطين، وإعلان دولة "إسرائيل".
واحتل اليهود 78% من أراضي فلسطين، أي كل فلسطين باستثناء الضفة الغربية وغزة. وفي كل عام بهذا التاريخ تُحيي المنظمات الفلسطينية والجمعيات هذه الذكرى، بفعاليات ونشاطات تُذكّر الأجيال بالتهجير؛ كي لا تُنسى القضية الفلسطينية.
وبعد سنوات من البُعد، ولوعة الاشتياق، ومهما فعل اليهود في أراضي فلسطين؛ من اقتلاع لشجر الليمون والزيتون، فإنهم ليس بإمكانهم أن يقلعوا جذور حب وطن خُلق تحت ظل هذا الشجر، قحب فلسطين وذكريات خيامها باقية في ذاكرة الأجداد والأبناء والأحفاد وقلوبهم.
تختزل الذكرى مراحل من التهجير اقتلعت الفلسطينيين من عشرين مدينة ونحو أربعمئة قرية غدت أملاكها ومزارعها جزءا من دولة الاحتلال، كما تعيد النكبة ذكرى عشرة آلاف فلسطيني على الأقل لقوا مصرعهم في سلسلة مجازر وعمليات قتل ما زال معظمها مجهولا، فيما أصيب ثلاثة أضعاف هذا الرقم بجروح.
ولم تبدأ النكبة الفلسطينية عام 1948، وإنما قبل ذلك بكثير، ففي عام 1799 خلال الحملة الفرنسية على العالم العربي نشر نابليون بونابرت بيانا يدعو فيه إلى إنشاء وطن لليهود على أرض فلسطين تحت حماية فرنسية بهدف تعزيز الوجود الفرنسي في المنطقة.
لم تنجح خطة نابليون في ذلك الوقت إلا أنها لم تمت أيضا، حيث أعاد البريطانيون إحياء هذه الخطة في أواخر القرن الـ19، وتجسد ذلك بداية من 1897 حين دعا المؤتمر الصهيوني إلى إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين.
وبعد سقوط الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى وقيام الانتداب البريطاني في فلسطين بدأت قوى الاستعمار البريطانية بتنفيذ مخططها لبناء دولة صهيونية على أرض فلسطين.
وفي عام 1917 أعلن وعد بلفور الدعم البريطاني لإنشاء "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين، وجاء الوعد في رسالة كتبها وزير خارجية بريطانيا السابق آرثر بلفور إلى البارون روتشيلد -وهو أحد زعماء الجالية اليهودية في بريطانيا- لإحالته إلى الاتحاد الصهيوني في بريطانيا العظمى وإيرلندا.
وبعد ذلك توالى توافد الصهاينة إلى فلسطين بدعم من البريطانيين، كما اشترى اليهود عددا من الأراضي الفلسطينية لبناء مستوطنات صهيونية عليها، مما أدى إلى تهجير عشرات آلاف الفلسطينيين من بيوتهم، وكل هذا تم بدعم كامل من البريطانيين.
ولم يستسلم الفلسطينيون أمام هذه التحركات، وأدت جهود المقاومة في 1936 إلى قيام ثورة عربية ضد الإمبريالية البريطانية والاستعمار الاستيطاني الصهيوني.
سحق البريطانيون الثورة العربية عام 1939، ووجد الفلسطينيون أنفسهم في مواجهة عدوين: قوات الاستعمار البريطاني والعصابات المسلحة الصهيونية التي تزايدت أعدادها لتصل إلى أربعين ألف شخص في ذلك الوقت.
في الـ29 من نوفمبر/تشرين الثاني 1947 أقرت الأمم المتحدة خطة لتقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية، وشكل اليهود في فلسطين وقتها ثلث السكان، أغلبيتهم قدموا من أوروبا خلال السنوات القليلة التي سبقت هذا التاريخ، وكانوا يسيطرون على مساحة تصل إلى أقل من 6% فقط من دولة فلسطين التاريخية، إلا أن الخطة المقترحة من قبل الأمم المتحدة خصصت لهم 55% من المساحة.
رفض الفلسطينيون وحلفاؤهم العرب الخطة المقترحة، بينما وافقت عليها الحركة الصهيونية، خاصة أنها أضفت صفة الشرعية على فكرة بناء دولة يهودية على أرض فلسطين العربية إلا أنها لم توافق على الحدود المقترحة، ولذلك أطلق الصهاينة حملات مكثفة للاستيلاء على المزيد من أراضي فلسطين التاريخية.
ومع بداية عام 1948 سيطر الصهاينة على عشرات المدن والقرى الفلسطينية وطردوا سكانها الفلسطينيين من بيوتهم بالقوة، وذلك تحت أعين سلطات الانتداب البريطاني.
وفي الـ14 من مايو/أيار 1948 قرر البريطانيون إنهاء فترة انتدابهم لفلسطين، وفي اليوم نفسه -الذي انسحبت فيه قوات الانتداب البريطاني رسميا من فلسطين- أعلن رئيس الوكالة الصهيونية ديفد بن غوريون إقامة دولة إسرائيل
وخلال دقائق قليلة اعترفت أكبر قوتين من قوى العالم -وهما الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي- بإسرائيل، وأصبح الفلسطينيون بلا دولة.
وتوالت بعد ذلك خطط الصهاينة لتطهير أرض فلسطين من سكانها، وبذلوا قصارى جهدهم لمسح التراث والثقافة الفلسطينية من الوجود، وأفرز هذا الوضع معاناة ممتدة لملايين اللاجئين الفلسطينيين.
وتبقي الحقيقة القائمة هي أن مصادرة الأرض وهدم البيوت واضطهاد الفلسطينيين لاتزال متواصلة في المناطق التي احتلت في العام 1948 أيضا، رغم أن وسائط الإعلام تتجاهله، وهناك استمرار لمشروع حرمان الفلسطينيين من مقومات العيش بكل الوسائط بالإرهاب العسكري، والتشريعات الصهيونية، والجدار الذي يلتهم60 % من أراضي الضفة الغربية، ومحاصرة قطاع غزة حصاراً كاملا إن  النكبة الفلسطينية  ليست حادثا حدث وانتهى في 15 أيار 1948، بل هي نكبة قائمة حتى هذه اللحظة، وتتمدد وتتواصل، في وقت أسوأ من وقت حرب  1948.