وثيقة حماس ودولة غزة


آخر تحديث: May 12, 2017, 12:24 pm


أحوال البلاد
بقلم: دد. أحمد يوسف أحمد

 

أثارت الوثيقة التى أعلنتها «حماس» الأسبوع الماضى جدلاً واسعاً فذهب البعض إلى أنها مؤشر على اعتدال لحماس يؤهلها للمشاركة فيما هو مقبل من خطط للتسوية. ألم تعلن الوثيقة قبولها فكرة إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967؟ وهى كذلك مؤشر على رغبة من قِبَلها فى تطبيع علاقاتها مع الدول العربية التى تعتبر «الإخوان المسلمين» جماعة إرهابية.

ألم تُلغ فى هذه الوثيقة ارتباطها بالجماعة على العكس من ميثاق التأسيس فى 1987؟

الواقع أن هذه الاجتهادات قد تنطوى على مبالغة لأن الاتجاه إلى التسوية بشكل أو بآخر ليس جديداً على الحركة، ونذكر بالتأكيد فكرة مؤسسها الشهيد أحمد ياسين عن هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل وهى تسوية مبطنة، بل إننى أزعم أن هذا الاتجاه كان موجوداً عقب فوز الحركة بالانتخابات التشريعية 2006، وأذكر تحديداً أننى شاركت فى ندوة أقامها «اتحاد الأطباء العرب» فى القاهرة عقب فوز حماس بوقت وجيز، وكانت الفكرة التى عرضتها فى الندوة تتلخص فى أنه أما وقد اتخذت حماس القرار الخطأ بالتحول من حركة مقاومة إلى سلطة فإنها مطالبة باتباع الأساليب التى تتفق وهذا التحول، فلن يستمع المجتمع الدولى لأفكار التحرير من النهر إلى البحر ناهيك بأن يتعاطف معها وطرحت على سبيل المثال أن تعلن «حكومة حماس» من قبيل التكتيك قبول المبادرة العربية وتسقط فكرة أن هذا يتعارض مع ميثاقها لسبب بسيط وهو أن إسرائيل لا يمكن أن تقبلها وبالتالى تكسب حماس نقطة فى الصراع مع إسرائيل الذى حولته حماس إلى «مباراة» بتحولها إلى سلطة، وفوجئت بعد انتهاء الندوة بشخصية قيادية فى الحركة تطلب ترتيب لقاء بيننا، وعندما التقينا فوجئت للمرة الثانية بأن صاحبنا يوافق على فكرتى ويقول إن هذا التفكير موجود فى القيادة لكن المشكلة تكمن فى الشباب الذى تمت تنشئته على ثقافة الصراع المطلق، ثم فوجئت للمرة الثالثة والأخيرة بأنه يطلب منى أن أُنظم فى معهد البحوث والدراسات العربية الذى كنت أديره آنذاك دورات لتأهيل شباب حماس على فهم هذه الأفكار وتقبلها غير أن الصدام الدموى بين حماس وفتح فى غزة فى 2007 وتداعياته حال دون تنفيذ الفكرة.

وبغض النظر عما إذا كانت فكرة التحاق حماس بقطار التسوية جديدة أم قديمة فإن ما أظهرته من «اعتدال» فى الوثيقة لا يؤهلها للعب أى دور فى أى تسوية، فكيف يحدث هذا مع من يطالب بتحرير فلسطين «من النهر إلى البحر» وهو حق مشروع لكن إعلانه هدفاً يقوض أى دور محتمل لحماس فى التسوية، ومن ناحية ثانية فإن عدم إتيان الوثيقة على ذكر الارتباط بالإخوان المسلمين صراحة لا يعنى فك حماس ارتباطها معهم فقد وصفت الوثيقة حماس بأنها حركة مقاومة ذات مرجعية إسلامية كما أن العبرة بالسلوك وليس الألفاظ، والأهم من ذلك أن الانتماء المعلن من قِبَل حماس للإخوان المسلمين لم يحل من حين لآخر دون أن تكون لها علاقاتها الطبيعية مع مصر وغيرها وفق تفاهمات معينة، فما الذى هدفت إليه حماس إذن من هذه الوثيقة؟ قد تكون الإجابة لا أدرى وقد تكون أن حماس مقتنعة بجدوى ما فعلته لكنى لم أستطع أن أمنع نفسى من إثارة افتراض شائك ومحفوف بالمخاطر وهو أن الوثيقة قد تكون خطوة تمهد الطريق لاحقاً لإعلان دولتها فى غزة، وقبل أن يسارع البعض إلى تسفيه الفكرة أذكر بأن فكرة إقامة دولة فلسطينية فى غزة ترجع إلى النصف الأول من خمسينيات القرن الماضى عندما طرحت وكالة غوث اللاجئين هذه الفكرة بمساندة أمريكية وإسرائيلية.

لكن المشكلة أن غزة لا تصلح كإقليم لإقامة دولة قابلة للحياة ولذلك ارتبطت فكرة إنشاء دولة فى غزة على الدوام باقتطاع أجزاء من سيناء المصرية تزيد مساحة غزة إلى ثلاثة أمثالها وربما أكثر وبالمقابل تحصل مصر على أراضٍ فى النقب وشبكة هائلة من طرق تربطها بالمشرق العربى والجزيرة العربية ومساعدات اقتصادية مغرية، وجوانب الصفاقة فى الفكرة عديدة فثمة مجرم سلب أرضاً لشعب وشرده فلما تراكمت مشاكل جريمته يريد أن يحلها بسلب أرض يملكها شعب آخر وليس بأن يتنازل المجرم الأصلى عن جزء مما سرقه، ومن الصفاقة أيضاً أن يُنسب مشروع الخمسينيات لعبد الناصر وأن أقرأ موضوعا يشير عنوانه إلى أن السيسى يحيى مشروع عبد الناصر بعرض أجزاء من سيناء لتسهيل المشروع.

وقد يتصور البعض أن هذا المشروع بلا حضور والحقيقة أنه يُطرح بقوة فى الدوائر الأمريكية والإسرائيلية على الدوام، وإذا اكتفينا بالعقدين الأول والثانى من هذا القرن فقد نذكر أن بعض التحليلات قد ذهب إلى أن انسحاب إسرائيل من غزة فى 2005 كان خطوة تمهيدية لمشروع دولة غزة «الكبري»، وفى الآونة الأخيرة كان الكثيرون من أبنائى فى غزة الذين درست لهم يوافوننى بحديث «الدولة» ويرسلون لى الخرائط المنشورة عن إقليم الدولة المزمع إقامتها وكان سؤالى دائماً عن موقف قيادات حماس من هذه الأفكار وكانت المفاجأة أن الفكرة مطروحة وأن بعض القيادات يؤيدها صراحة، فهل يكون من الشطط أن أثير هذا الافتراض أى الربط بين «الوثيقة» و«الدولة» على الأقل من باب السعى للحصول على إجابة، ولو كان الافتراض صحيحاً لا قدر الله فسوف يمثل ذلك ضربة قاصمة جديدة للقضية الفلسطينية، أما مصر فهى قادرة دائماً بإذن الله على الذود عن أرضها.

 

عن جريدة "الأهرام"