القصيدة بوصفها أليغوريا: نور الدين الزويتني يبحث مغامرة التسمية وسط عماء العالم عبد اللطيف الوراري


آخر تحديث: January 12, 2017, 9:09 am


أحوال البلاد

 

نورالدين الزويتني شاعر حذر يمقت الاستطراد الذي صار موضة الشعراء اليوم، ويكتب بالميليمتر الذي يستحيل من ملازمته الأنساغ والجذور إلى غَوْرٍ معرفيٍّ وجماليٍّ مدهش لا يخطئ القارئ الشعور به. 
في مجموعته الشعرية الأولى «القربان والملكة» (2007)، كما في مجموعتيه التاليتين «قلب الثلج» (2015)، نكتشف أن هذا الشاعر جعل من كتابته الشِّعر نداءً عابرًا للحدود والثقافات، وعبر لغته الجديدة التي تدمج العالم في لعبة من المرايا لا تنتهي، جعل من مجاراته لمخاطره وزلازله استعارةً كُلّيةً ومُفارقةً لا تجيب إلا على نحو ما يكشف أن العلاقة بهذا العالم محطَّمة. لهذا، من الأولى للشاعر المعاصر أن يمتلك التسمية الصعبة وسط عماء العالم، شبيهًا بـ»الوصيّ في تركة الذئاب»على حد تعبيره.

فضاء سيرذاتي: الأنا والقرين

ما معنى أن تبحث الذات، ذات الكتابة، لا هُويّتها فحسب، بل غَيْريّتها؟ كيف يتحول فعل الذات عبر نفي التشخْصُن عنها إلى دمغ الحُجّة على واجبيّة الشعر في عالم لاشعري؟
مثل هذين السؤالين النوعيّيْن يطرحان نفسهما ابتداءً من أول نصوص المجموعة الشعرية «قلب الثلج» للشاعر نورالدين الزويتني. يكتب: «لسنا في حاجة إلى/ نوافذ نلقي منها/ بالبحر/ لسنا بحاجة إلى/ سقوف/ إلى جدران». يُبطِّن كلامه الشبيه بـ(منيفستو شعري) معنى التهكُّم البودليري من المرجع الرومانسي، باقتصاد لغويّ يائس من المرجعية التي لن تعوّض شرط الحرية بحالٍ (الجدران، السقوف). وإذن، فلا ضفاف تُسوّر مغامرة الذات وفعلها الشعري إلا الـ«ضفاف يحرثها الخطر»، وهي الذات المحدثة، لا الكانطية، التي لا يد لأحدٍ عليها، ولا دليل: «لسنا بحاجة إلى/حكمة، إلى/ أحد/ تكفي نقطة مطر/ في سطر الأفق/ كي تكسر/ جام المعنى وتحيله شظايا».
يصل الملفوظ هذا النصّ الافتتاحي بذرّية ستيفان مالارميه إذ يقطع مع الكلام الخطابي للشاعر في ما يترك المبادرة للكلمات لتختبر تجلّي ذاته، موقعها، لهجتها وقدرتها على القول شعريًّا في علاقتها بالآخر الذي يخفف من غلواء ضمير المتكلم ويعمل على إزاحته وتمويهه من جهة، وبذرّية تشارلز بوكوفسكي في علاقتها بأسلوب الكتابة الشذري الذي يضيع معناها فتظلُّ تبحث عنه، بلا نهاية، من تلفُّظ إلى آخر. 
 لن يكون بوسعنا، هنا، أن نتبيّن هوية الذات إلا في لاوحدتها، ولا تجانسها، أي في غيريّتها التي تتزوّج بالإنسان والحيوان، أو بهما معًا حيث يستحيل الندب إلى عواء على شاكلة ما يرد عند ألن غينسبرغ ويستوحيه نورالدين الزويتني برؤية قيامية: «آتون هكذا/ في هيئة الشطار/ والهكسوس/ والبدائيين/ كي نعلن القيامة..».
ما إن ينفتح الشعر على كتابة الحياة حتى يجسد شكلًا من السيرة/البيوغرافيا، وإن كان من غير الممكن استخلاص البعد السيرذاتي وعزله كما في هذه المجموعة. لكنّه يومض وسط غابة من الحياة السيميولوجية الكثيفة، ويظلُّ مرتهنًا إلى الفعالية الشعرية لإنقاذه من عماء الأساليب والصور. فعمل العناصر السيرذاتية يشتغل بخفاء ومكر، إن بوعي ذات الكتابة أو في غفلة منها، ويتراءى لنا عبر علامات وآثار دالة على عملية التلفظ التي أنتجتها هذه الذات بضمير المتكلم، أو بغيره المخاطب أو الغائب لمضاعفة التمويه الذاتي: «في الشِّعر لا أمل ولا طائل/ كل قصيدةٍ/ رسالةٌ إلى امرأة/ عرفتها في حياة أخرى/ قبل أن أنتقل مكرهًا إلى هذا/ العنوان:/ 55، ك. ب. د الجديدة/ الرسالة نفسها/ الممهورة دائما بختم جوزيف برودسكي/ وسؤاله المرعب: «من حشرني ضمن الجنس البشري».
 يُكثِّف الملفوظ محكيَّ أنا الشاعر ومنظوره السوداوي للحياة، إذ يضع في الخلفية منها عنوان صندوقه البريدي الذي لا يتلقّى إلا الرسالة نفسها كأمثولةٍ لحياة مكرورة بلا أمل ومنذورة للسقوط، بِختْمٍ لا شخصي للتكنية عن أثر الشاعر أيًّا كان، وعن كينونته مُمثّلًا بصورة لـ»ساعي بريد أحدب» و»عريف الخسارات»، وباحثًا في الخراب عن «وريثه الوهمي». فالحياة التي تمتحنها الذات وتواجهها ليست أيّ حياة؛ إنها محشورة في عالم مُهتزّ، يتحرك عن مركزه باستمرار، ويقدم نفسه كلعبة مرايا، حيث الشيء لا يشبه نفسه، وحيث الأشياء الواضحة هي الأقل شفافية. ولذلك، يتجرّد الأنا من اسمه وينتحل اسمًا آخر، فينتفي الطابع الشخصي له بعد أن يسكن فيه الآخر وتقيم هويّات متجددة تدافع عن وجوده، آنيّته ورؤياه العمياء لابتكار عالم بديل ولا مرجعيّ: «من الآن/ سأنتحل اسمًا آخر/ كي لا يعرفني/ جمركي النشيد/ سأمضغ حين أجوع/ زهور الغضب/ وورق الأوكاليبتوس».
 في المقابل، يُستعمل ضمير المتكلم من رغبة الأنا في حصة معقولة للشخصي–السيرذاتي، وإن بصورةٍ أخفّ حتى لا يصير حضوره مرآةً مضللة للأنا على الإطلاق، وحتى لا يستحيل ذلك إلى غنائي يمكن أن يعطل المشروع الملحمي الذي انخرط فيه العمل من البدء حتى انتهى إلى مزيج معقد من اللغز والأمثولة والحكاية. هكذا، فحضور هذا الضمير يرتبط بملفوظات حِسّية مبتهرة من جسد الشاعر، ترصد مآلات سيرته في الحُبّ والسفر والشِّعر والحياة. 
ففي قصيدته «الأورفي» (The Orphean) تمثيل، يمكن لنا أن نتلقف من الحوار الذي يجري داخلها أصداءً من تلك السيرة وهي تستعيد «عشرين عامًا» من زمن الذات وبدء كينونتها بالدهشة والرعشة والسؤال والبرحاء، وتتقاطع مع نصّين، يحيل الأول إلى أسطورة الشاعر اليوناني أورفيوس، والثاني على حكاية الشاعر العربي ديك الجنّ، بغاية الكشف عن الهوية المتشظية إذ يستحيل الحب إلى «لدغة الأفعى»، والحبيـــبة إلى «باردة كمغسلة، وغائمة كطقس اليوم». وبالتالي، لن يكون «الأورفي» في القصيدة إلا على شاكلة ما يرد في لوحات الرسم التجريدي، حيث لم تعد الرؤية من عدمها تعني كثيرًا.

شرط المغامرة ومستحيل التسمية

يبدو ظاهريًّا أنّ أنا الشاعر المعاصر لا تخفي رغبته في أن يواجه عبث العالم بلا مهادنة، وينذره بالزلزال، ويقاومه بنزعة الشكّ فيه، ولا يكون لسانًا له على الإطلاق. ولكن أنّى للشاعر مثل ذلك، إذا كان يسبقه الوهم إلى واقع الفعل، ولا ينتج سوى تصاوير وأخيلة لا تعني العالم في شيء، فيصير البحث ضحية «ميتافيزيقا الميراث والخلود». هذا الالتباس المفهومي الذي يعتري النصوص كومضات تحجب عنّا غياب المرجع، بين الداخل والخارج، والوهم والحقيقة، بين الحياة والموت، ويُكنَى عنه بالطريق تحديدًا، إنَّما تلعب عليه ذات الكتابة وتتسلى معه عبر ضميري المخاطب والغائب، كأنّها تقيم في المابين، بين الهنا والهناك. وذلك كلّه يجري على نحو يكشف زيف العالم ويُفجّر وضع نسقه القيمي من الداخل من جهة، ثم ينفي عن الكتابة كونها فعلًا محض مجّاني أكثر من أنَّها شكل لفهم العالم السلبي والفعال، وأنّ قيمتها تكمن في اشتغالها الحيويّ من أجل امتلاك مستحيل التسمية، وإن كانت الضريبة إلى ذلك موجعة وباهظة يُؤّديها الشعراء من صميم حياتهم.
مثل هذا المستحيل يعاد اكتشافه من جديد في ديوان «كيف تظلُّ شاعرًا بعد 2012»، الغريب من عنوانه ومن مجمل نبرة نصوصه. لكنّه، حتى نفهم اللعبة، أتى بعد هذا العام، فوجد نفسه في صميم معركة الأنا مع قوى كثيرة ومتخفّية لا قِبَل له بها؛ من الشرّ إلى التسلّي معه واللعب على حبائله التي تتحوّل مع الوقت إلى مُقدّرات أرضٍ بأكملها. يُطالعنا أنا الشاعر بتحوّلاته العجيبة التي ليست سوى كنايةٍ عن مغامرة الإنساني عبر الذهاب إلى المعنى في أقصاه، والذات في أقصاها، من أجل مقاومة اللا إنساني الذي يسعى إلى سحق الكينونة وحشد المنغِّصات على عَيْشها كما يجب.
وهذا ليس عملًا هيّنًا، فهو يتطلب مُخيِّلة ثرّة وثريّة قادرة على استدعاء العجائبي واستثمار ضروب الحلم والهذيان والحذف، ليس من أجل تنشيط الذاكرة التي بدت كما لو تقاوم تاريخًا عسيرًا لاستعادة ما مضى وتذكُّره أشيائه الجميلة، بل كذلك من أجل بناء بلاغة داخليّة تعبر ملفوظات الديوان بقدر ما هي تسخط وتسخر ممن حولها وتقتحم عليهم مصانع شرورهم حينًا، مثلما تفجر النسق العقلاني الذي لا يتأتّى انسجامه إلا على الجوهري، مُبدَّدًا من خلال الأحداث التي تترى بشكل غير عادي وغير مفهوم.
هل يفعل الشِّعر كل هذا؟ 
أجل، يفعله بمكر الأنا المُتعدّد الذي يتلفّظه بمثل هذه البلاغة الجارحة: 
«لا طائل بعد/ من الشعر/ سوى أنه فقط/ الشعر،/ ولا مجد بعد للقصيدة». 
فمن هذا الإيمان الغامض، والضروري، بفعل القصيدة وفعاليّتها يصير الإصغـــــاء إلى عمل نورالدين الزويتني واجبًا لا غنى عنه لاستعادة التسمية في الشعر وعبره.
أتصوَّر أن نورالدين الزويتني، من عمل إلى آخر، يكتب الشعر كاليغوريا للتكنية عن حساسية شديدة تجاه ما يحدث حوله، فيترك الشعر بلغته يتحدّث عن «أزمة الروح»، وعن موت الحضارة والخوف الذي يتربّص بنا، وعن اللوحات ذات الحجم الكبير للوحشيّين الجدد التي غطّت على العصر وأخذت تتأكّل روحه. 
بهذا المعنى، يجدر بقرّاء الشعر أن يقرأوا شعره، ففي قصيدته واجب الشِّعر وضرورته.

٭ كاتب مغربي