لا أملك سوى لغة واحدة وهي ليست لغتي


آخر تحديث: January 12, 2017, 9:08 am


أحوال البلاد

 

هناك عدد من الكّتاب والمبدعين المعروفين على الصعيدين الفرنسي والعالمي من الذين تعود أصولهم لأمم وشعوب غير فرنسا. وهناك عدد منهم غدوا أعضاء في الأكاديمية الفرنسية الذين يطلقون على أعضائها الأربعين توصيف «الخالدين» ومن بينهم اليوم أمين معلوف، ومنهم من حاز على جائزة «الغونكور»، الأدبية الأرفع في فرنسا، مثل الروائي والشاعر المغربي الطاهر بن جللون.

لكن هل يكفي أن يكتب المعنيّون بلغة موليير حتى يتم الاعتراف بهم بأنهم «كتّاب فرنسيون»؟. أوليس هناك معايير لتقييم الموهبة والأسلوب الأدبي، وبشكل عام الأدب بالإجمال، لها علاقة بالسياسة وبالتاريخ وبالأبعاد الحضارية ذات المشارب المختلفة؟. ثم أليس هناك نوع من الربط بين الهوية الوطنية والمواهب حتى في مجالات الإبداع؟...الخ.

الإجابة على هذه الأسئلة كلّها تطلبت من الكاتبة والأديبة والباحثة في مجال علم الاجتماع «كوثر حرشي»، الفرنسية ذات الأصول المغربيّة الحائزة على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة السوربون وصاحبة العديد من الروايات والدراسات، كتابا يحمل عنوانا واضح الدلالة مفاده «لا امتلك سوى لغة واحدة، وهي ليست لغتي».

والإشارة واضحة إلى أن اللغة التي تكتب بها وتجيدها هي اللغة الفرنسية بينما أن اصولها تجعلها تنتمي إلى اللغة العربية. وهذا العنوان «استعارته» المؤلفة من جملة للفيلسوف الفرنسي الشهير «جاك ديريدا»، ذي الأصل الجزائري، وجاء فيها «لا أملك سوى لغة واحدة وهي ليست لغتي».

الملاحظة الأولى التي تؤكّد عليها المؤلفة هو أن فرنسا تعلن تمسّكها بلغتها الفرنسية التي تتقاسمها مع الكثير من البشر في العالم. ومن أجل المحافظة عليها برزت منظّمة «الفرنكفونية» التي ينضوي في إطارها عدد هام من بلدان العالم التي تعرف اللغة الفرنسية حضورا واسعا فيها.

إن مؤلفة هذا الكتاب تقوم بعملية بحث واستقصاء في أعمال خمسة من الكتاب الجزائريين الذين كتبوا باللغة الفرنسية على مدى العقود الستة المنصرمة. وهم «كاتب ياسين» و«آسيا جبّار» و«رشيد بوجدرة» و«كامل داوود» و«بوعلام صنصل». وهؤلاء جميعهم لم يكتبوا بـ«لغتهم الأمّ».

لكن هؤلاء جميعهم عرفوا شهرة واسعة في فرنسا والعالم الفرنكفوني، كما على الصعيد العالمي. وهؤلاء جميعهم أيضا جمعتهم المؤلفة تحت خانة «كتّاب أمام الامتحان»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.

لكن تلك الشهرة التي نالوها لم تمنع، كما تشرح مؤلفة هذا الكتاب، أنه كان هناك باستمرار نوع من «موازين القوى» التي تميل لصالح الكتّاب الفرنسيين «الأصليين»، مع ما يترتب على هذا من توترات عرفتها الساحة الأدبية الفرنسية على مدى عقود طويلة فيما يتعلّق بمكانة الكتّاب الجزائريين في المشهد الأدبي والثقافي الفرنسي وبعلاقتهم باللغة الفرنسية.

وما تؤكّده المؤلفة عموما هو أن «الاعتراف الأدبي» بالكتّاب ذوي الأصول الأجنبية لا يكون كاملا وجامعا سوى في القليل من الحالات النادرة. وتشرح أنه في الغالبية العظمى من الحالات هناك «معايير خارج إطار الأدب» تلعب دورها في مسائل التقييم الأدبي. ومن خلال هذا «التحيّز» تستعيد المؤلفة طبيعة العلاقة الاستعمارية التي «فتحت جروحا لا تزال فاغرة حتى اليوم».

وتشرح المؤلفة على مدى العديد من الصفحات كيف أن اللغة «تمتلك هويّة وطنية قويّة». نقرأ:«إن الثقافة الأدبية الفرنسية قامت بتنظيم نوع من المجال الخاص بالإبداع يتماهى مع المخيّلة الوطنية ويملك رابطة قويّة معها». وترى أن مثل ذلك الواقع خلق ويخلق «حالة من التوتر وأحيانا من التناقض» لدى الكتّاب الأجانب باللغة الفرنسية، وتحديدا الجزائريين منهم في سياق تحليلات هذا الكتاب.

ومن خلال مناقشة العلاقة بين الكتّاب «الأجانب» باللغة الفرنسية وبين آليات تقييمهم على الصعيد الأدبي، تتطلّع المؤلفة إلى مناقشة طبيعة العلاقة بين المسيطرين والمسيطَر عليهم منذ الحقبة الاستعمارية حتى اليوم. وتشرح أن السلطة الاستعمارية الفرنسية السابقة «كرّست اللغة الفرنسية باعتبارها اللغة الأدبية الوحيدة» في فرنسا. وهذا وجد استمراره حتى اليوم.

وطبيعة هذه العلاقة تعبّر عنها المؤلفة بالجملة التالية بخصوص اختيار الكتّاب الجزائريين المعنيين للغة الفرنسية كوسيلة لتعبيرهم الأدبي:«إنها لغة ــ اللغة الفرنسية ــ يمتلك الكاتب الجزائري ناصيتها بينما هو نفسه مملوك من تلك اللغة».

وتصف هذه العلاقة أنها قامت باستمرار على قدر كبير من «سوء الفهم»، هذا إذا لم يكن التفسير الخاطئ، الذي أبداه النقّاد حيال انتاج الكتّاب الجزائريين. ولا تتردد مؤلفة هذا الكتاب في أن تعيد ذلك إلى «عدم التكافؤ» في المجال الأدبي والذي ترفده «نزعة فرنسية للتمحور حول الذات».

وتنقل في مثل هذا السياق ما كان قد ذكره الكاتب الجزائري الشهير باللغة الفرنسية عندما قدّم مخطوط روايته الرائعة «نجمة» لدار نشر «سويل» في باريس. يومها قال له المكلّف بقراءتها ما مفاده «هذا النص معقّد جدا. في الجزائر لديكم خرفان جميلة. لماذا لا تتحدث عن تلك الخرفان؟».

وكتاب يتضمّن في عمقه على شرح الميل نحو التهميش الذي واجهه الكتّاب الأجانب باللغة الفرنسية عموما والكتّاب الجزائريون بصورة خاصّة تبعا للتاريخ الاستعماري للجزائر الذي استمرّ 132 عاماً وانتهى بحرب تحريرية ذهب ضحيتها قرابة مليون من الجزائريين.

أصابع اتهام

إن «كوثر حرشي» توجّه نوعاً من أصابع الاتهام لما تسميه «المؤسسة الأدبية الباريسية» التي أظهرت في بعض الأحيان نوعا من «العنف» و«عدم الاعتراف» حيال الكتّاب الأجانب الذين اختاروا التعبير باللغة الفرنسية. ذلك على خلفية نوع من الربط المعلن أو الضمني بين اللغة الفرنسية ومفهوم «الأمّة الفرنسية» نفسها في تعبيرها «الوطني».

المؤلفة في سطور

كوثر حرشي كاتبة وروائية فرنسية من أصول مغربيّة. حائزة على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة السوربون. من مؤلفاتها: «ليل مضيء، ليل مظلم» و«جريا في طنجة» و«فداحة التخريب»...الخ.

الكتاب: لا امتلك سوى لغة، واحدة وهي ليست لغتي.

تأليف: كوثر حرشي

صحيفة البيان