الراحل أحمد الشيخ.. الحكاء الريفي


آخر تحديث: January 12, 2017, 8:58 am


أحوال البلاد

 

في هدوء شديد رحل عن عالمنا الكاتب والروائي المصري الكبير أحمد الشيخ عن عمر ناهز الـ 77 عاما، عاش أغلبها بعيدا عن بؤر الضوضاء والتعارك والصراعات وكان عزوفا عن الأضواء. أحمد الشيخ صوت إبداعي نافذ وعالي القيمة، وهو واحد من أبرز أدباء جيل الستينيات الذي عايش آلام مصر وآمالها على مدى نصف قرن من الإبداع، كتب الرواية والقصة القصيرة، فضلا عن نشاطه في الدراما التليفزيونية والإذاعية، ومساهماته الأخرى في أدب الأطفال. 

ورغم العزوف عن الشهرة والأضواء والضوضاء معاً، فإن أي مؤرخ للرواية العربية في القرن العشرين لا يستطيع وليس بمقدوره أن يغفل اسم أحمد الشيخ، فهو قامة روائية عالية‏،‏ أنجز حصادا وفيرا من القصص والروايات والدراما التليفزيونية‏،‏ اشتهر بحفره الغائر في ذاكرة القرية التي هيمنت على وعيه الشقي من ناحية (كما وصفه الناقد صلاح فضل ذات مرة)‏،‏ ومغامراته الجسور في دروب المدينة التي خبر قاعها من ناحية أخرى، يتبدى ذلك كأنصع ما يكون فيما تركه الشيخ من أعمال روائية وقصصية، وخاصة رباعيته الفذة: “الناس في كفر عسكر”، و”حكاية شوق”، و”حكايات المدندش”، و”سيرة العمدة الشلبي” التي احتلت مكانها ضمن أهم وأبرز الأعمال الروائية في مدونة الإبداع العربي المعاصر.

أعمال مثلت روح القرية المصرية وتوسعت في جمالياتها لتتجاوز روح التسجيل والتأريخ في إطار تقاليد الكتابة الواقعية إلى الرمزية الإنسانية الشاملة واتخاذ الحكاية إطارا لتأريخ مواز للصراع العربي الإسرائيلي. فعل أحمد الشيخ هذا باقتدار في رواياته سالفة الذكر، التي وضعته في مصاف كبار كتاب الستينيات، بمذاق خاص ولغة متفردة، وعوالم برع الشيخ في رسمها وتجسيدها فنيا، وتميز في كتابته تلك بأسلوب معجون من دقيق السرد وزبد الحوار بمهارة عجوز ريفي حكاء‏،‏ يعرف كيف يمزج مستويات اللغة بلفتات الذهن وتقنيات التعبير‏،‏ حيث تتشابك خيوط اللهجة العامية المفصحة بأمشاج الأمثال وطزاجة الكلام اليومي المعتاد‏،‏ لتدمغ الشخصية والموقف بما يسمي نقديا “الأسلوب غير المباشر”، بحسب تحليل صلاح فضل الضافي.‏

 

رمزية “كفر عسكر”

 

لكن يبقى من بين أعمال أحمد الشيخ روايته التأسيسية “الناس في كفر عسكر” التي أصدرها للمرة الأولى عام 1979 بعنوان فرعي “أولاد عوف”. ورغم أنها نشرت بعد اثنتي عشرة سنة من هزيمة 67 إلا أنها كانت صيحة مقاومة إبداعية حقيقية، يمكن إدراجها ضمن أهم الأعمال الإبداعية التي سعت لتجاوز آثار تلك الهزيمة بإعادة مراجعة شاملة وممارسة للنقد الذاتي على كل المستويات ودون وضع أي حدود لأي سقف.

هذه الرواية التي وصفها الكاتب الراحل علاء الديب بأنها “رواية مهمة، غنى حقيقي في الموضوع″ وأنها تقدم “صورة جديدة وأصيلة للريف المصري”، واعتبرها صلاح فضل “رواية مكثفة عن النسيج الإنساني والاجتماعي والقيمي للقرية المصرية”، عمل فني فريد كتبه الشيخ في لحظة وعي حاد بالوطن وما يدور فيه وحوله، ليقدم عن هذا الجيل الذي خبره وعايشه وانتمى إليه شهادة فنية موثقة.

تتخذ أحداث الرواية التي تبدو للوهلة الأولى رواية تقليدية بسيطة من الريف المصري خلال القرن العشرين فضاء سرديا، يُقدِّم خلاله أحمد الشيخ ملحمته البديعة عن الأرض وقيمتها بالنسبة إلى الفلاح، والخصومة المتوارثة بين عائلة “عوف” وعائلة “شلبي” في بناء محكم لا يقدر عليه إلا كاتب كبير متمكن. هي قصة واحدة تُروى من وجهتي نظر مختلفتين، من شخصين، من جيلين مختلفين، منظومة قيم متحورة، قصة صراع بين الأجيال، بين قيم الماضي الحالمة وقيم الحاضر العملية والتي لا تراعي أي أبعاد إنسانية، إنها صراع مستمر.

وإن كان يجوز لقارئها المدقق ألا يعتبرها عن القرية أصلا، فهي في الأساس “تحكي عنّا، نحن أولاد هذا البلد لا أولاد كفر عسكر “حسن” و”صالح”، كفر عسكر هي مصر، وأولاد عوف هم أبناء مصر”، كما يعرف بها أحمد الشيخ نفسه.

لكن الرواية بعمقها وأصالتها تتجاوز الإطار الحكائي البسيط لصراع على الأرض بين عائلتين في قرية ريفية، ستصير الرواية “رمزية” أكبر أو “أمثولة” لصراع أشمل، يمكن أن يكون في مصر “الوطن المباشر للكاتب”، أو تتسع دوائر التأويل ليكون في فلسطين قلب العرب النازف، أو تشمل الرؤية التأويلية أي مكان آخر في العالم يتصارع فيه أصحاب الحق والأرض مع مغتصبيها، يقاومون ويتصدون لهذه المحاولات مهما كانت فداحة الأثمان والأوراح.

لهذا كان ما قاله عنها الناقد الراحل شكري عياد بحق “إنها أشبه بمرثية للقرية القديمة، وفيها وعي الإنسان المنغمس فيها إلى أقصى حد، وهذا هو الذي يعطي نبض الحياة ونبض الصدق في الفن”.

أحدثت الرواية أصداء هائلة عقب صدورها، ولاقت حفاوة نقدية بالغة، واعتبرها نقاد كبار من العلامات المهمة في الأدب المعاصر، وسرعان ما تحولت في 2003 إلى مسلسل تليفزيوني ذائع الصيت تابعه الملايين في مصر والعالم العربي بشغف واستمتاع كبيرين، ونال عددًا من الجوائز، منها أفضل مسلسل اجتماعي عربي.

 

أحمد الشيخ في سطور

 

– كاتب مصري من مواليد تلا بمحافظة المنوفية العام 1939، تخرَّج في قسم التاريخ بجامعة عين شمس عام 1967، وقدم خلال مسيرته العديد من الأعمال الإبداعية المهمة التي رصدت الكثير من التغيرات السياسية والاجتماعية التي طرأت على المجتمع المصري بخاصة، كما حصل على العديد من الجوائز كانت آخرها جائزة الدولة التقديرية في الآداب، كما قُلّدَ وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى.

– صدر له أكثر من أربعين كتابًا للكبار (ما بين رواية ومجموعة قصصية ودراسة نقدية)، فضلاً عن سبعة وعشرين كتابًا للأطفال، ويعد أحمد الشيخ أول كاتب مصري تصدر له سلسلة من ثماني روايات عن الريف المصري، طرح فيها جدلية المواطن المصري وصراعه في ظل تباين السياقات الاجتماعية بين القرية والمدينة.

– من أشهر أعماله الإبداعية: “الناس في كفر عسكر”، “حكاية شوق”، “حكايات المدندش”، و”سيرة العمدة الشلبي”، “دائرة الانحناء”، “النبش في الدماغ”، بخلاف أعماله للأطفال.

– من أشهر أعماله في مجال الدراما التليفزيونية، مسلسل “شوق”، ومسلسل “الناس في كفر عسكر”، وهو العمل الحاصل على ذهبية أفضل مسلسل اجتماعي عربي، واختيرت روايته “حكاية شوق” ضمن أفضل مائة رواية عربية صدرت في القرن الماضي، كما كان عضوًا في مجلس إدارة اتحاد الكتاب لسنوات عديدة، وعضوا في لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة.