كهرباء غزة 4 من 4


آخر تحديث: January 12, 2017, 5:02 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

ظلت كهرباء غزة، منذ سيطرة حماس على القطاع بعد انقلابها على النظام السياسي؛ تمثل واحدة من الشواهد على رداءة السياسات التي اتبعها أولئك الذين وجدوا أنفسهم، فجأة يحكمون غزة، دون الحد الأدنى من ثقافة الدولة وحتى دون الحد الأدنى من الالتزام بمسالك الزهد والتقوى والقدوة الحسنة، التي ينبغي أن تكون من سمات المؤمنين. فهؤلاء لم يأخذوا بمقتضيات المسؤولية عن مجتمع فقير وسخي، لم يبخل على المقاومة بدماء ابنائه ومقدراته، فأصبح كله صاحب حق في العون والإنصاف بغير تمييز، ولم تقدم حماس الأنموذج الأفضل. بل إن قوة "التغيير والإصلاح" انقضت على الأصلح فأجهزت عليه، وتولت بالرعاية والصون الأسوأ لكي تستفيد منه. في ذلك السياق، أنماط كثيرة من ديناميات العمل الاجتماعي ــ الاقتصادي البناء، لوحقت وأحبطت، أما ديناميات الأمن، والاعتقالات، والتمييز بين الناس، والجباية ونمط الاقتصاد الريعي، فقد جرت مفاقمتها سريعاً، بل وافتعال أنماطٍ أقبح، زيدت عليها طرائق غليظة في الجباية وتسييس الصدقات والتمييز بين المساجد وتخليق أنماط سلبية من استغلال النفوذ، حتى بدا من أبسط دلائل الغي، استنكاف مستويات قيادية عليا ومتوسطة، عن دفع فواتير الكهرباء، وهو الاستنكاف الذي لم يجرؤ عليه اسوأ رجال السلطة السابقة!

كانت شركة التوليد، من بين الأسوأ الذي تعمد حاكمو غزة الجدد الحفاظ عليه، لسبب طريف، وهو أن المحطة تنتج،  وخزينة السلطة في رام الله تدفع للشركاء. وفي حال تلكأت رام الله في الدفع، أو تأمين الوقود تنفيذاً للعقد المجحف، يُستعان بصراخ المواطنين. كأنما أصبح أنين  الشعب في غزة، مادة للتربح، على طريقة المعلم "كرشة" صاحب المقهى وصانع العاهات في ثلاثية نجيب محفوظ، مع فارق أن "كرشة" يختلق عاهة مزورة لفقير، استدراراً لعطف العابرين، وأن المصاب كذباً، يتسول لنفسه وليس للمعلم "كرشة". أما في حكاية وجع الناس بسبب انقطاع التيار،  فقد كان حقيقياً، ولم يكن الذين يتسولون الوقود وكلفة التشغيل، يتسولون لراحة الناس!

ولأن الطرف الجديد، الذي دخل على خط الاعتصار، يريد استمرارية توليد بعض الطاقة، لتلبية احتياجاته الأساسية، فقد توافقا على طريقة لكي لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم، إذ يجري من جهة، الضرب على رواتب الموظفين بالخصم التلقائي منهم، حتى ولو كان ثلاثة من صغار هؤلاء، يعيشون في منزل واحد، ومن جهة أخرى، تعمدت الشركة، حسب معاينة أحد المهندسين، المبالغة في قطع التيار، تحت عنوان التوزيع بين المناطق، بينما الهدف هو الضغط على العدادات المستخدمة في غزة، بقوة أمبير أعلى من استيعابها، ما يجعل جريان خيط احتساب حجم الاستهلاك أسرع. فقد لوحظ أن قيمة فواتير الكهرباء في أسوا أيام الانقطاع، تكون مشابهة لقيمتها أيام عز الكهرباء دون انقطاع!

ومثلما أسلفنا، كان طرفا الاعتصار يختلفان في كل شيء، ويتفقان كلما كان هناك رغبة مشتركة، في الجباية من المواطن واعتصاره!

 كان أمر الكهرباء، يستحق حسماً في جلسات الحوار التي بذل من أجلها الطرفان، خلال عشر سنوات، مالا يكفي لبناء محطة توليد جديدة على أسس صحيحة. كان غريباً فعلاً، وغير مسبوق في عمل أهل السياسة، ألا يطرأ على أذهانهم حل مشكلة واحدة تتعلق بحياة الناس، مع الاستعانة بمن يرعون لقاءاتهم. وربما لم تخطر في البال، معاناة الناس مع الكهرباء، وأثرها الاقتصادي الاجتماعي الفادح. فلم يكن هؤلاء ولن يكونوا بمستوى الذين يستشعرون حاجة الشعب الفلسطيني الى تنمية في قطاع الخدمات، والى مصادرة شركة كهرباء غزة، حتى وإن كانت سي سي سي قد فرضت على السلطة، أن تكون المحاكم البريطانية هي مكان التقاضي، في حال وقوع خلاف بين الطرفين.

 فحماس انقضت على النظام السياسي، واستثنت من انقضاضها الشركة التي تأسست على باطل، للسبب الذي ذكرناه. كان المفترض، أن تلجأ السلطة الى  القضاء البريطاني الذي اختارته سي سي حكماً، لأن مالكي أسهم هذه الشركة،  كانوا يأخذون ولا يقدمون للناس تياراً كهربائياً، ويربحون أكثر من الذين يبيعون الطاقة الكهربائية المتدفقة، بينما غزة مظلمة.

لكن  سلطتي الأمر الواقع في رام الله وغزة، ظلتا صاحبتي مصلحة في بقاء شروط عمل الشركة مهما كان مستواها، وهذا يخالف الإرادة الشعبية، ويعاكس اتجاه التطورات الموضوعية التي تدل على أن الإصلاح قادم، رُغم أنف متسببي المعاناة، وأن الكهرباء حق للناس لا مراء فيه، وأن لا فلاح في كهرباء وماء أو مجارٍ، دون بنية أخرى للنظام السياسي، ودون طبقة سياسية ذات رؤية وطنية صافيه، وذات مناقبية عالية!