البريج تنير ليل الانقسام !


آخر تحديث: January 11, 2017, 6:12 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

لطالما استمرأت حركة حماس القيام بدور المعارضة , رغم أنها سلطة , بل وواحدة من أسوأ السلطات التي عرفها ليس فقط الشعب الفلسطيني , بل وشعوب المنطقة بأسرها , وليس أدل على ذلك من أن الشعب المصري لم يحتمل حكم نظراء حركة حماس من الأخوان المسلمين أكثر من عام واحد , فيما حكم حماس لقطاع غزة متواصل ومستمر , بالحديد والنار , ودون أي هيكل سياسي / تنظيمي معلن أو مقرّ أو شرعي , منذ عشر سنوات , حكم بدأ بشن قوات حركة حماس العسكرية " القسّام " حربا داخلية على قوات ومراكز وأجهزة السلطة الفلسطينية وكوادر حركة فتح , وانتهت بسيطرة تلك القوات على السلطة والحكم في القطاع , والتسبب بانقسام سياسي / جغرافي لوطن ما زال تحت سلطة وحكم الاحتلال , الذي لو لم " يحك له حكم حماس في غزة على جرب " لوضع له حدا بعد ساعات قليلة من وقوعه .

خلال عشر سنوات مضت , لم يفعل حكم حماس في قطاع غزة للناس سوى كل ما هو سيء وممل , كل ما هو كابح لحريات البشر وقامع لحقوقهم العامة والشخصية , فلم يفكر قادة حكم " قراقوش " الحمساوي سوى بأنفسهم , ورغم كل تقارير الدنيا التي تشير إلى أن الوضع في قطاع غزة لا يطاق ولا يحتمل , وانه كارثي وفق كل معايير الكون , إلا أن ذلك لا يحرك ساكنا لدى إسماعيل هنية , محمود الزهار , فتحي حماد أو خليل الحية , ولا حتى موسى أبو مرزوق وخالد مشعل , لا موت الأطفال والنساء والشيوخ من المرضى الذي لا يجدون علاجا , ولا سبيلا للخروج إلى العلاج , ولا بطالة شبان بلون الورد , يتخرجون من الجامعات , ولا تهتز أبدانهم أو فرائصهم , حين تنسد أبواب السبل  بالناس المحبوسين بسببهم , والذين هم فعليا بمثابة رهائن ذلك الحكم البغيض , منذ عشر سنوات بالتمام والكمال , ومن باب التعداد فقط , نسرد بعد ذلك ما يتعلق بتقديم الخدمات للمواطنين وللبلاد من تعبيد الطرق أو تشييد المستشفيات أو المدارس , الملاعب وما شابه .

لا يكتفي حكم حماس المستبد في قطاع غزة بهذا , بل انه درج كلما ضاق الناس ذرعا به , إلى التوافق مع إسرائيل على شن الحروب بشكل دوري كل عامين مرة , وذلك لتشديد قبضة حكم اليمين الإسرائيلي وحكم حماس معا داخليا , ولا احد برأسه عقل ينسى للحظة بان " التوافق " بين اليمين الإسرائيلي واليمين الفلسطيني , أي بين الليكود وحماس قد جاء بهما إلى الحكم معا , بالضد من شريكي أوسلو , خصميهما السياسيين , فتح والعمل .

حرب العام 2014 لم تدم طويلا , بسبب تدخل " حبيب " حماس في ذلك الوقت الرئيس المصري السابق الأخواني المخلوع محمد مرسي العياط , لدى إسرائيل وحماس معا , ومنذ ذلك الوقت صمتت عقيرة حماس ضد إسرائيل بسبب تدجين قيادتها المتواصل والمستمر , من قبل صديقي إسرائيل , تركيا وقطر , وتبددت كل الأوهام التي استمرت بالتوالد تباعا , بعد أن عجزت تركيا وقطر عن إقناع إسرائيل , ثم نفسيهما , بالقدرة على السيطرة على حماس بسرعة , ذلك أن حماس , التنظيم الباطني / المراوغ الذي يتقن الكذب جيدا , تتذرع دائما , وهي كذلك فعلا بوجود مستويات تراتبية في التنظيم , أو مستويات متوازية , فهناك القيادة السياسية وهناك القيادة العسكرية , ولا تحتكم الواحدة للأخرى , وكان ذلك قد تكرس خلال سنوات الاحتلال , والمعروف أن تنظيم حماس ليس هرميا بل عنقودي , المهم أن حكم حماس في غزة , خاصة بعد تدمير الأنفاق , وتجفيف صناديق المال عبر مشعل , ومن خلال اقتصاد الأنفاق لهنية وحماد , لم يعد بيد قيادتها السياسية , بل بيد القيادة العسكرية التي ما زالت تحتفظ باتصالات مباشرة مع إيران وسوريا وحزب الله .

هذا ما منع برأينا توصل تركيا وإسرائيل إلى اتفاق يضع حدا للحصار , وما زال يمنع قطر من أن تقوم بإعمار قطاع غزة منفردة , وهي لها طموح استراتيجي تجاه غزة , والأمر له علاقة بحكم حماس دون ريب أو شك .

المهم في الأمر أن حكما , مهما كان وأيا كان يعجز عن حل مشكلة عادة ما تقوم بتنفيذها البلديات ومجالس القرى , ونقصد بذلك خدمة توفير الطاقة الكهربائية , لا يمكنه مهما ادعى , أن يحرر شبرا واحدا من فلسطين , وحتى لو فعل فما جدوى ذلك ؟ أي ما جدوى أن غزة تحررت من الاحتلال ما دامت قد تحولت إلى عبء على المشروع الوطني , بدل أن تكون رافعته وقوة إسناده ومنصة إطلاقه ؟ !

هل يمكن لطالب " ساقط " ترتيبه الأخير على الفصل أن يصلح النظام التعليمي , وهل يمكن لحركة تعجز عن توفير أي شيء يذكر لنحو 20 % من الشعب الفلسطيني الذي تحكمه منذ عشر سنين , أن تكون مؤهله لقيادته إلى آفاق الحرية والتحرير , فضلا عن تحقيق مكانة لائقة له بين الشعوب والأمم , بما يبرر توقعه وتضحياته من أجل أن يحكم نفسه بنفسه ؟ !

ترتفع الآن عقيرة , بعض من رجالات حماس المستهلكين , والذين أكل عليهم الدهر وشرب , لتدّعي أنها باتت على أبواب القدس , فيما حالهم يشبه ما كان ينطوي عليه نص مسرحية الراحل محمد الماغوط " كاسك يا وطن " حين كان المواطن يتصل بشركة الكهرباء ليسأل عن سبب انقطاع التيار الكهربائي , ويسأل عن موعد وصله , فيجيبه المسئول , الذي يكاد يكون حمساويا _ الآن _ بأنه سيتم قطع دابر العملاء , وان تيار التحرير سيواصل معركة الكفاح ضد الاستعمار وما إلى ذلك من شعارات , لا تساوي " نقلة " واحدة .

أما عن مواطني غزة , الذين تحكمهم حماس منذ عشر سنوات , فلا بد من تذكير أغبياء الحكم المستجد , بأنهم صبورون مثل الجمال , لكنهم مثل الجمال أيضا حين ينهضون يطيحون بكل ما يقف في طريقهم , هكذا فعلوا بعد احتلال 67 وفي انتفاضة 87 , وإذا كانت البريج تنير اليوم ليل غزة الطويل , فإن غزة كلها سرعان ما ستعرف كيف تضع حدا , لليل طال أمده أكثر مما ينبغي , إلى أن يذهب حكم حماس , وهو من مخلفات الاحتلال _ على أي حال _ إلى الجحيم , فغزة ما زالت على موعد مع الحرية , حتى تحتفل حقا وفعلا بزوال الاحتلال .

Rajab22@hotmail.com