توقعات أمريكية غير مسؤولة


آخر تحديث: January 11, 2017, 4:23 pm


أحوال البلاد
بقلم: مفتاح شعيب

عشية تولي الرئيس المنتخب دونالد ترامب منصبه في البيت الأبيض، أصدرت المخابرات الأمريكية تقريراً عرضت فيه رؤيتها وتوقعاتها للأعوام المقبلة، فقدمت صورة قاتمة، حاولت من خلالها إثبات قناعتين لديها، الأولى تزايد النشاط الإرهابي للجماعات المتطرفة، واستمرار الفوضى والحروب، والثانية إقرار بتراجع الهيمنة الأمريكية مقابل توجه مزيد من الدول إلى التحالف مع روسيا.

من الجانب الظاهري، لم يأت هذا التقرير، الذي يصدر مع بدء كل ولاية رئاسية أمريكية، بأي معطيات صادمة، فما عرضه خصوصاً حول مستقبل العالم، في ضوء الصراعات المستشرية وصعود التيارات الشعبوية والمتطرفة، أصبح من المسلمات الثابتة. ولكن صدوره في هذا التوقيت سيكون تأثيره بالغاً بحكم المرجعية التي تحتلها المخابرات الأمريكية في دراسة السياسة الدولية والأمن العالمي. وبحكم الانطباع السائد عن مرحلة مقبلة، تبدو حدودها غير واضحة، ولا تدعو إلى التفاؤل، مثلما هو حاصل الآن من مخاوف بدأت مع الانتخابات الأمريكية وتعمقت مع فوز ترامب، ونذر صعود الأحزاب اليمينية في أوروبا. وهذه الحقيقة أكدها التقرير حين توقع تدخلاً أكبر من الدول التي تحمل حق النقض «فيتو»، لأجل إجهاض التعاون الدولي، إلى جانب تدخلات أكبر من جهات ذات تأثير، بهدف ضرب التفاهم العالمي حول الأحداث الدولية. وضرب على ذلك مثلاً، التأثير القوي الذي أفرزه التدخل الروسي في سوريا، واحتمال اتساعه إلى دول أخرى، بينما تسجل الهيمنة الأمريكية التراجع تلو التراجع، لتؤكد فعلياً انتهاء القطب الأمريكي الوحيد الذي هيمن على العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والحرب الباردة.

بين سطور التقرير، الذي جاء بعد ثلاثة أيام من اتهام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه أمر بشن حملة للتأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وإسقاط هيلاري كلينتون، كانت هناك رسائل كثيرة تخص العلاقات الأمريكية الروسية، وهي إشارات هدفها نسف توقعات كثيرة تحاول نسج علاقة «مودة» بين ترامب وبوتين، بنيت في أغلبها على مواقف إعجاب الأول بالثاني، وهي مواقف ذهبت بعيداً في رسم علاقة مثالية بين الدولتين العظميين، وسط تجاهل متعمد أحياناً لمقتضيات الواقعية السياسية وضرورات المصالح الخاصة لواشنطن وموسكو. وحتى إذا كان ترامب يعتبر بوتين قدوة ومثالاً للزعيم الناجح، فمن غير المستبعد أن تتحول مشاعر الإعجاب إلى غيرة ستترجم إلى صراع، وربما تصادم، وحينها ستحصل المفاجأة وتصدق فيه رؤية الاستخبارات الأمريكية، وتتحقق مخاوفها من اتساع الاضطرابات، وهي سمة من سمات المراحل الانتقالية التي تمر بها العلاقات الدولية في مثل هذه الظروف.

الوضع السيئ الذي وصل إليه المجتمع الدولي تتحمل مسؤوليته الإدارات الأمريكية المتعاقبة بعد انتهاء الحرب الباردة، لأنها فشلت في إدارة السياسة العالمية، وكانت الحروب والصراعات التي فجرتها أو أسهمت في اندلاعها سبب هذا البلاء، وهذا الإرهاب الفظيع الذي يهدد الجميع. وبالتزامن مع نشر التقرير، اعترف رئيس الاستخبارات الأمريكية المستقيل جون برينان بخطأ بلاده وأجهزتها في تقدير مخاطر ما يسمى «الربيع العربي» وإساءة تعاملها مع التحولات في المنطقة العربية. وحين تعترف استخبارات هذه الدولة بأن منطقة الشرق الأوسط مهددة بمزيد من الصراعات والعنف، فهي تتحمل وزر ذلك، سواء بتدخلها غير المدروس، أو بانسحابها غير المبالي بالتبعات والتداعيات غير المحسوبة بما يكفي من مسؤولية على دولة عظمى.

 

عن جريدة "الخليج" الإماراتية