ثنائية التطرف


آخر تحديث: January 10, 2017, 10:51 am


أحوال البلاد
بقلم: د. ضياء رشوان

في ظل المعاناة الدولية من تصاعد عمليات الإرهاب والتفجير التي يقوم بها تنظيمات الدم التي تنسب نفسها زوراً للإسلام، تتعدد في البلدان الغربية القوى والتيارات التي تتخذ مواقف نظرية وعملية من هذه الظاهرة المقيتة.

ومن بين هذه التيارات، تبرز في الآونة الأخيرة تلك التي يصطلح على وصفها باليمينية المتطرفة، والتي تتواجد ويزداد تأثيرها خلال السنوات الأخيرة في معظم المجتمعات الغربية في أوروبا وأميركا.

ويلاحظ من يتأمل بدقة وبعيداً عن التناقضات التي تبدو على السطح بين تنظيمات الدم التي تنسب نفسها للإسلام وبين بعض تلك التيارات الغربية اليمينية المتطرفة، أن هناك تشابهاً هيكلياً بين ما يتبناه الطرفان بالرغم من كل ما يبدو بينهما من اختلافات وصراع.

الطرفان يشتركان أولاً في رؤيتهما للعالم من حولهما، حيث يتخذ لديهما معاً صورة العالم المنقسم ما بين معسكرين فقط، هما عند تيارات اليمين المتطرف الغربية: معسكر "من هم ضد الإرهاب" ومعسكر "من هم مع الإرهاب"، ويتحدد الموقع من المعسكرين من التطابق الكامل مع رؤية هذه التيارات الغربية لجماعات الإرهاب بما في هذا إدانة الإسلام نفسه باعتباره سبب وجودها وممارساتها الدموية، أو مجرد الاختلاف مع هذه الرؤية.

أما جماعات الدم المنتسبة للإسلام، فهي تقسم العالم حولها وفق أسامة بن لادن إلى فسطاطين، أحدهما "فسطاط الإيمان"، والآخر "فسطاط الكفر"، وهذا أيضاً وفق الموافقة التامة والعمياء على أفكارها المتطرفة وممارساتها الدموية، أو مجرد مناقشة صحتها.

وقد احتفظ الطرفان بتلك الرؤية الثنائية للعالم طوال الوقت دون أي تغيير جوهري فيها، ورتبا عليها معظم السياسات والتكتيكات التي اتبعها كل منهما في حربه ضد الآخر أو من يضعهم في مصاف حلفائه حسب هذا التصور الثنائي للعالم.

وعلى الرغم من التباين الظاهري في المنطلقات الفكرية والسياسية لكل من الطرفين، فقد اتفقا أيضاً في انطلاقهما ووصفهما للحرب الدائرة بينهما من اعتبارات ذات طبيعة دينية.

فمن ناحية جماعات العنف التي تنسب نفسها للإسلام، ليس هناك من حاجة لتوضيح أدلتها الفاسدة التي تستند إليها مما تعتقد أنه الإسلام لتبرير ممارساتها الدموية سواء ضد المسلمين أو غير المسلمين. أما تيارات اليمين الغربي المتطرفة، فكثير منها ينطلق من رؤية معادية تماماً للدين الإسلامي ذاته واعتقاد فاسد بأنه بكل مذاهبه ومدارسه يدعو للعنف ويبرر له.

وفي الممارسة الواقعية، يشترك الطرفان في اتهام كل منهما الآخر بتعمد قتل المدنيين الأبرياء، فهذا ما تقوم به بالفعل جماعات العنف المنتسبة للإسلام بعملياتها الإرهابية في مختلف بلدان العالم، وهو أيضاً ما يجري في سوريا حالياً وجرى قبل هذا في أفغانستان والعراق من جيوش القوى الغربية بحجة الحرب على الإرهاب.

وربما يكون المشترك الأهم في ذلك السياق بين الطرفين هو التبرير المضمر الذي قدمه كل منهما لجعل المدنيين هدفاً في حربه ضد الآخر بالرغم من عدم اعتراف أي منهما صراحة بممارسته ذلك، فكلاهما يحمل الآخر مسؤولية دماء الضحايا المدنيين بسبب مواقفه وسياساته تجاه الآخر.

وأخيراً فإن الطرفين يلتقيان في اللفظ وفي المضمون حول صفتين للحرب التي يخوضها كل منهما ضد الآخر، الأولى أنها حرب صفرية لا مجال فيها لأي حلول وسط، والثانية أنها متتالية المعارك طويلة الأمد متسعة الميدان. وربما تتجاوز هذه السمة المشتركة هذين الطرفين، جماعات الإرهاب المنتسبة للإسلام وتيارات اليمين الغربي المتطرفة.

لكي تنصرف لكافة القوى والتيارات والأنظمة على مستوى العالم. فليس هناك من يرى اليوم أن هناك أي إمكانية لحلول وسط مع هذا الإرهاب الدموي، فالهدف الوحيد المطروح.

والذي لا مجال للتفاوض حوله هو القضاء التام والنهائي عليه وتطهير العالم منه، وبالتالي فإن الحرب عليه ستكون بالضرورة ذات مدى زمني طويل وميدان متسع غير محدد يشمل العالم كله، وأنها بذلك لن تحسم في معركة واحدة ولا في مكان واحد بل ستتعدد وتتوالى معاركها وتتعدد أماكنها، حتى يتحقق القضاء التام والنهائي عليه.

 

عن جريدة "البيان" الإماراتية