فيدرالية «حماس»


آخر تحديث: January 10, 2017, 10:45 am


أحوال البلاد
بقلم: د. فايز رشيد

فجّر الدكتور موسى أبو مرزوق، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، والمرشح ليكون زعيمها بعد استنفاد خالد مشعل لمدته، قنبلة سياسية، خلّفت ردود أفعال سلبية لدى الفصائل الفلسطينية كافة. فخلال زيارته إلى مصر، وفي حديث أدلى به لقناة «الغد» في 30 ديسمبر/كانون الأول الماضي، اقترح إقامة حكومة فيدرالية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، لحل مشكلة الانقسام، والتوصل إلى مصالحة وطنية، إذ قال بالحرف الواحد: «الحكومة الفيدرالية ستكون حلاً ممكناً، فالفيدرالية أفضل من الانقسام».

حاولت حركة «حماس» التنصل من التصريح، باعتباره «مزحة»، بعد ردود الفعل الغاضبة التي صدرت عن الفصائل والمؤسسات الفلسطينية كافة، وبعض العربية. وحاول الصحفي مصطفى الصواف، المحسوب على حماس في غزة، تبرير التصريح سيئ الصيت والسمعة، بالقول «إن أبا مرزوق أراد لفت الانتباه وتحريك المياه الفلسطينية الراكدة، ولا يعدو اقتراحه محاولة استفزازية لإجراء المصالحة»، مُضيفاً أن حماس لا تفكِّر في خلق كانتونات، ولا هي دولة في غزة، كما لا دولة في الضفة، وإنما هذا الطرح «نوع من السخرية» من أولئك الذين يُعطلون المصالحة، ثم يستطرد قائلاً، «إن وحدة غزة والضفة وإقامة دولة فلسطينية وتحقيق أهدافها، هي أهداف حماس التي ترفض الانفصال». إلى أن يصل لِاستنتاجات يريد من خلالها (رغم صحتها)، إبعاد الأنظار عن خطورة ما أدلى به أبو مرزوق في هذا الظرف الخطر الذي تمر به القضية الفلسطينية. واستنتج الصحفي في معرض دفاعه عما طرحه أبو مرزوق، بالقول «عشر سنوات مرّت، وعباس يرفض إجراء المصالحة، ويضرب عرض الحائط بكل الاتفاقيات، ما يؤكد أنه لن يتم التوصل لاتفاق بشأن المصالحة خلال حكم عباس».

بداية، فإن السلطتين محتلتان، بشكل مباشر في الضفة الغربية، وآخر غير مباشر في قطاع غزة. وتصريح موسى أبو مرزوق أطلقه كبالون اختبار، لتكريس الانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني، بما في التصريح من تأكيدات ضمنية على استحالة تحقيق الوحدة الفلسطينية. ثم إن التصور يتلاقى، ولو بطريق غير مباشر، مع ما صرح به وزير التعليم الصهيوني نفتالي بينيت، في دعوته لضم مناطق «C» إلى الكيان الصهيوني، والتي تشكل مساحتها 60% من أراضي الضفة الغربية، وإعطاء القسم المتبقي من الضفة حكماً ذاتياً. أيضاً، يأتي التصريح في وقت تتردد فيه التأكيدات الأمريكية باحتمال نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، كخطوة أولى يفتتح بها ترامب عهده، بما يعنيه ذلك من تأكيد أمريكي على حق الكيان الصهيوني في المدينة، والتأكيد على أنها، «العاصمة الموحدة والأبدية» للكيان الذي يدّعي أن الدولة الفلسطينية هي حقيقة قائمة في قطاع غزة. أيضاً، ربما اعتقد أبو مرزوق، أن شعبنا حقق دولته المستقلة، ويريد فيدرالية بين قطاع غزة والضفة الغربية على شاكلة سويسر!.

سياسيو الكيان من جهتهم، رحبّوا بالفكرة، فمن جهة، يضمن الكيان دوام الانقسام الفلسطيني، وهذا ما سعى ويسعى إليه، ومن جانب ثان، سيدّعي الكيان بأن الفلسطينيين وجدوا الحل، فمثلاً يقول المحلل السياسي الصهيوني «بن مناحيم» في تحليله المنشور على موقع «نيوز-1»: «إن هذا التقسيم قائم بالفعل منذ عام 2007، إذ تسيطر حماس على قطاع غزة، بينما تحكم حركة فتح الضفة الغربية». ويحاول أبو مرزوق تبرير فكرته، بوصول الطرفين إلى نفق مسدود في مفاوضات المصالحة لا يمكن تجاوزه، ومن ثم فإن الأمر يتطلب حلاً مبتكراً، ويختتم «بن مناحيم» تحليله قائلاً: «في الأثناء تُناقش فكرة الفيدرالية في وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية فقط، ومن المثير للاهتمام رؤية ما إن كانت ستطرح مجدداً، عندما تُستأنف محادثات المصالحة بين فتح وحماس، رغم الانتقادات اللاذعة من قبل الفصائل الفلسطينية تجاه الفكرة».

حقيقة الأمر، أن حركتي فتح وحماس تتحملان عدم إجراء المصالحة التي لا مبرر لاستمرارها مطلقاً، لو توفرت الإرادة السياسية لكل منهما. لكن، كل القائمين على السلطتين يريدون استمرار الوضع الحالي المريح للطرفين، بالرغم من تأخيره لمشروع التحرر الوطني الفلسطيني عشرات السنوات إلى الوراء، وبالرغم من كل تداعياته السلبية السيئة الأخرى على مجمل القضية. بالتالي، فإن الاقتراح يثير الريبة والشكوك، ولربما أطلقه أبو مرزوق في محاولة منه لجعل حماس من المتصدرين الأساسيين للمشهد السياسي الفلسطيني الحالي، خاصة، أنها تديم التهدئة مع العدو الصهيوني.

 

عن جريدة "الخليج" الإماراتية