كهرباء غزة 3 من 4


آخر تحديث: January 11, 2017, 3:39 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

كانت تعاقدات مشروع شركة توليد الطاقة الكهربائية في غزة، قد أعدت بليلٍ، واقتسم المشاركون في صياغة الصفقة، أسهمها، وحددوا رأس المال أحد عشر مليون دولار، وتواطأ أحد البنوك فقدم قرضاً بنحو عشرة أضعاف رأس المال، وكان حجم الأرباح التي قدرتها لجنة الموازنة في المجلس التشريعي، التي أعدت تقريراً صادماً عن فساد مشروع محطة التوليد؛  518 مليون دولار في ست سنوات! 

إعطيت شركة المقاولين المتحدين سي سي سي، مشروع الكهرباء دون أن يكون لأعمالها أية علاقة بالطاقة، وزاد الأوغاد فأعطوها امتياز التنقيب عن الغاز، واستخراجه واستثماره، بينما هي لا تعرف عن مشروعات الغاز شيئاً!

عندئذٍ، تضطر سي سي سي لشراء ملكية شركة أمريكية مفلسة وسيئة الصيت، ذات اختصاص بالكهرباء، بمستوى رديء. أما الغاز فإن سي سي سي، تتعاقد مع "بريتيش غاز" وهي ذات شراكة قوية مع إسرائيل في قطاع الغاز.

مرة أخرى، وقبل أن تندلع انتفاضة الأقصى، سرعان ما اتضح سوء الخيار الذي أوعزت به البطانة، بخصوص الغاز. ففي العام 1999 كانت علاقات فلسطين قوية مع العالم، وكان الصواب، هو التصدي سياسياً لموقف إالاحتلال، وأن يتم التعاقد سريعاً، مع شركة تابعة لدولة صديقة وقوية، تنفذ مشروع الاستثمار على الفور وتتصدى مع فلسطين، مثلما حدث فعلاً، بعد سنوات، عندما وقعت الفأس في الرأس، وجرى التعاقد المبدئي مع شركة "غازبروم" الروسية.

كان الوقت قد مضى طويلاً منذ أن جلب الأوغاد لنا الشركة البريطانية الشريكة لإسرائيل، من البلد ذي التاريخ الطويل من التآمر على مصير المنطقة، وهو أصل بلائنا الأول.

فعندما اكتُشف الغاز الطبيعي قبالة شواطيء غزة، وعَرف العدو أن المخزون يزيد عن الكيمات المكتشفة أمام شواطيء فلسطين المحتلة، ويبلغ في التقديرات الأولية، نحو 35 مليار متر مكعب؛ بادر رئيس وزراء إسرائيل آنذاك إيهود براك، الى القول إن احتياطات الغاز أمام شواطيء غزة، يجب تركها للدولة الفلسطينية المستقبلية. وفي نوفمبر   1999 عندما وقّع الجانب الفلسطيني مذكرة نوايا مع شركة سي سي سي متضامنة مع "بريتيش بتروليوم" ارتفعت نبرة الرفض الإسرائيلي، وكشف المحتلون الذين كانوا يزعمون أنهم شركاء في عملية سلمية، عن وجههم القبيح،  فطالبوا بأن يُصار الى ضخ غاز القطاع الى منشآت التجميع الإسرائيلية،  لكي تدفع تل أبيب ثمنه بأقل من السعر العالمي بكثير، وأن تخضع حركة العوائد المالية ــ على تواضعها ــ لرقابة إسرائيل، بحجة الحيلولة دون تمويل أعمال إرهابية.

كان واضحاً أن المحتلين، تعاطوا مع احتمالات التطور الاقتصادي، بمنظار السياسة والأمن، علماً بأن المنتفذين على الطرف الفلسطيني، ىيتعاطون مع مثل هذه المسائل، بمنظار التربح والمصالح الشخصية.

لا حرج في القول، أن الإدارة السياسية الفلسطينية، التي كان وسطاؤها هم أنفسهم الذين يحكمون اليوم، قد وقفت على أهبة الاستعداد، لتأثيم من يقلب الطاولة ويطلب من العالم التدخل، لا سيما وأن الانتفاضة الطويلة الثانية، التي يميلون اليوم الى تحميلها كل أسباب الكارثة، لم تكن قد اندلعت!

ينبغي أن نستذكر في هذا السياق، ما قاله كاتب وعالم اجتماع أمريكي يدعى  ميخائيل إتشواردس، ناصحاً الجانب الرسمي الفلسطيني، باعتماد أحد خيارين لا ثالث لهما: إما تنفيذ مشروع الغاز، عن طريق شركة تابعة لبلد وحكومة معنيتين بالتسوية المتوازنة، لأن هذا حق مؤكد لشعب فلسطين، أو أن ينفض الجانب الفلسطيني يديه من أوسلو كلها ويعتبرها فاشلة أو ميتة!

لكن عالم الاجتماع الأمريكي، الذي كان معارضاً للغزو الأمريكي للعراق، كان يفكر بالمنطق، بينما البطانة تفكر بغرائزها مدفوعة بجشعها!