فتح بعد الخمسين بين خيارين !


آخر تحديث: January 9, 2017, 7:48 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

لا يمكن للذكرى الثانية والخمسين لانطلاقة حركة فتح أن تمر , هكذا مرور الكرام , على أي مواطن فلسطيني , دون أن يمر بذاكرته شريط الذكريات , فحركة فتح هي التي أعلنت بدء عصر الوطنية الفلسطينية , بعد نحو عقد من السنوات , تشتت فيها الذهن الفلسطيني , بعد أن وقعت على رأسه حادثة النكبة , كما لو كانت صاعقة سقطت من السماء .

سبع سنوات عجاف كانت قد مرت , والشعب الفلسطيني لا يكاد يصدق , بان فلسطين قد ضاعت بسبب الخذلان العربي , وفشل جيش الإنقاذ في وضع حد للعصابات العسكرية اليهودية , ومنعها من احتلال مدن وقرى يافا وعكا وحيفا , الجليل والمثلث والنقب , كذلك بعد عجز الأحزاب العائلية والهبات المسلحة هنا وهناك في إلحاق الهزيمة بالمسلحين اليهود , الذين مكنتهم قوات الانتداب في البلاد التي كانت تدر اللبن والعسل .

بعد سبع سنوات من اليأس وانتظار الفارس العربي ممتطيا حصانه الأبيض , ظهرت فتح , لتملأ أيام الفلسطينيين أملا , ولتنير لهم ليلا بدا طويلا وباردا , ولتصنع لهم فجرا جديدا , لا يعدهم بغير العودة والتحرير .

غنت النساء لفتح , وهتف الشباب لفتح , وزغردت جبال ووهاد وبوادي فلسطين لفتح , وردد الجميع : أنا ابن فتح ما هتفت لغيرها , وبعد ثلاثة أعوام فقط , وبالتحديد في الحادي والعشرين من آذار عام 68 , أي بعد اقل من عام على وقع هزيمة 67 التي كسرت ظهر عبد الناصر , وكادت أن تعمم اليأس والإحباط وتجعل من نكبة العام 48 واقعا مؤكدا , كانت فتح على موعد مع الألق , حين ألحقت بجيش العدو الإسرائيلي المتغطرس أول هزيمة مدوية , في الكرامة الأردنية .

تحولت حينها فتح إلى مارد سياسي / عسكري , إلى رقم صعب , كما قال الراحل العظيم " أبو عمار " , حيث ما عاد بإمكان احد لا في الإقليم ولا في العالم أن يتجاوزها , أو أن لا يحسب لها حسابا , وكان أن تولت , عن جدارة واستحقاق مسؤولية قيادة منظمة التحرير الفلسطينية , بان جعلت من الهيكل السياسي / التنظيمي , الذي تم تشكيله ليمثل العرب لدى الفلسطينيين , ممثلا لفلسطين لدى العرب , ولتجعل من المنظمة التي كانت عبارة عن هيكل سياسي , بالكاد نجح في تشكيل يد مسلحة , نقصد جيش التحرير , إلى جبهة مقاومة موحدة , تجمع كل مقاتلي وفدائيي الشعب الفلسطيني .

فتح التي تحولت بعد الكرامة إلى " قبلة " سياسية , وطنية / قومية / أممية , يطلب ودها مئات وآلاف المناضلين من كل مكان , تحولت إلى رأس حربة الصراع في المنطقة , بعد أن تولت قيادة حركة التحرر العالمي بعد الانتصار التاريخي للثورة الفيتنامية , لذا بدأت خطط ومشاريع التصفية تحاك ضدها , فكانت معارك جرش والأغوار في أيلول العام 1970 وما تلاها , وحين وجدت فتح نفسها تخسر معركة وساحة مواجهة , سرعان ما تمثلت روح الفينيق , فما أن خرجت من الأردن , حتى ظهرت في لبنان , لتبدأ من هناك , وهناك حروب المواجهة مع العدو , وتتعدد فصولها في 1974 , 1976, 1978 , 1982 , وبعد أن خاضت أطول الحروب بين العرب وإسرائيل , وما أن خرجت من لبنان , حتى  كانت تظهر في فلسطين , أي أن فتح التي وجدت لتبقى كما قال عبد الناصر ذات يوم , جعلت من حروب المواجهة مع إسرائيل , معارك , طويلة الأمد , لا يحدد مآل أو نتيجة معركة منها نتيجة الحرب .

ومثلما كانت فتح أول الرصاص عام 65 , كانت أول الحجارة عام 1987 , وبعد أن جعلت من حدود الطوق ساحات قتال , جعلت من ارض فلسطين المحتلة ساحة المواجهة , أي أن فتح بالنتيجة قد حققت انتصارا على إسرائيل بهذا , إلى أن فرضت عليها الاعتراف المتبادل في أوسلو ونجحت في أقامة أول سلطة فلسطينية على الأرض الفلسطينية .

بعد أكثر من نصف قرن , لم تنته معارك فتح , ولا توقفت المؤامرات التي تحاك ضدها , ولا محاولات اختراقها من الداخل , ولا محاولات التشويش على قيادتها ودورها ومكانتها , لذا ما أن شرعت السلطة بقيادة فتح في تدشين مؤسسات " الدولة الحديثة " حتى كانت إسرائيل تسعى لفصل غزة عن الضفة بالانسحاب من جانب واحد من غزة عام 2005 , ثم بعد ذلك تعبث من تحت الطاولة حين حاولت فتح أن تبدأ مشروع الدولة بالمؤسسة التشريعية عبر انتخابات ديمقراطية  .

المشكلة التي واجهتها فتح , أن الظروف الدولية باتت صعبة جدا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية , وبعد هبوط سقف القومية العربية , وبهدف إرهاق كاهل فتح , جرى اغتيال الزعيم التاريخي بفرض الحصار الشخصي عليه , ذلك أن غياب أبو عمار عن فتح وعن فلسطين , سيدفع فتح إلى الانهيار وسيدفع الشعب الفلسطيني إلى اليأس , هكذا ظن العدو .

في الحقيقة أن غياب القائد التاريخي , كان بمثابة مفصل في مسار الحركة , ومن يقوم باستعراض عشر سنين مضت لا بد أن يرى حجم " الترهل " الذي أصاب الحركة , كذلك لا بد أن يلاحظ فقدان زمام المبادرة لدى الشعب الفلسطيني , الذي كان خلاقا , يبدع أشكال وأساليب المقاومة , كلما اشتدت به المحن .

كانت محطة العام 2005 , وخسارة فتح لانتخابات العام 2006 , وانقلاب 2007 كلها توجب المراجعة , كذلك كان وما زال لا بد من التوقف مطولا للإجابة على كيف يمكن لفتح أن تجمع بين حركة التحرر وحزب السلطة , فان تتحول إلى حزب حاكم وما زالت ارض الدولة محتلة يعني انتحارا سياسيا بكل معنى الكلمة , ولعل مؤتمرين عقدا خلال العقد الماضي وما تخلله من أداء لفتح والسلطة معا , يؤكد ضرورة أن تشهد فتح انطلاقة ثانية , حتى يمكن لها أن تظل ليس فقط قائدا للشعب الفلسطيني , ولكن حتى تبقي على أمل المشروع الوطني قائما , وممكن التحقق , بهذا يمكن القول بان فتح _ الآن _ بين خيارين لا ثالث لهما , إما أن تجدد ثوبها , برنامجها وقيادتها , وتعود إلى روح الكفاح والمقاومة  ونبذ البيروقراطية  أو أن تنتظر ذهاب ريحها , ولا خيار آخر أمامها .