كهرباء غزة 1 من 4


آخر تحديث: January 9, 2017, 3:54 am


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

هنا، وعبر هذه الشاشة، نفتح ملف كهرباء غزة، على امتداد أربع حلقات، بدءاً بالحديث عن أصل المشكلة، وهي موصولة بجذع الفساد العريض، الذي تأسس مع بداية عمل السلطة الفلسطينية في منتصف التسعينيات!

فلا مناص من الاعتراف، بأن العلة كانت ولا تزال، في أفاعيل مجموعات متتالية من الفاسدين، الذين تقاطعت أدوارهم، وكانت لهم امتدادات مال وأعمال في الخارج، وعمولات في الداخل، ومصالح للأبناء، ورشى، ثم كانت لمجموعاتهم الأخيرة، تحت حكم حماس، منظومة فساد لتضييع الطاقة في غير السياق الاجتماعي لاستهلاكها، واستثناء أصفياء ومتنفذين من دفع أثمانها والاتجار بالمحروقات.

بدايةً، في أيام الشهيد الرمز ياسر عرفات كان للذين يسدون عين الشمس، عن رجل يفكر طوال الوقت في السياق العام لمشروع الاستقلال الوطني والخلاص من الاحتلال، دورهم في أخذ السلطة الى اقبح الخيارات لتنفيذ مشروع توليد الكهرباء، على أهميته الاستراتيجية وضرورته القصوى لحياة الناس الاجتماعية والاقتصادية. فالمتنفذون البارعون في التضليل، الذين طرحوا أنفسهم كخبراء في كل شيء وحريصين على فلسطين، خدعوا رجلاً لا يركز على التفصيلات، بحكم عاملين: الأول جسامة المهمة النضالية والسياسية الملقاة على عاتقه،  ثم مخاطر الانهيار الذي يتوقعه، لعملية التسوية المخادعة. والثاني أنه بطبيعته، كان قد غادر منذ زمن طويل، الحياة الاعتيادية للناس، ولم يعشها بحكم مشوار حياته الاستثنائي، وبالتالي كان بقدر ما تتنامى لديه الحساسية حيال الوجهة العامة والتاريخية لحركة الكفاح الوطني الفلسطيني، تتضاءل اهتماماته بفنيات الهندسة الاقتصادية الاجتماعية، وإدارة تفصيلات الشأن العام. لذا، كان القَدحُ المُعلى لأشخاص البطانة، الذين لهم مصالحهم وتطلعاتهم الى الثراء السريع، وأخطر هؤلاء هم الذين كانوا ناشطين سياسياً على صعيد مفاوضات أوسلو وما بعدها، ثم ظنوا بعد اتفاق إعلان المباديء، أن الوقت قد حان، لاقتناص المغانم، مقابل أوسلو التي جلبوها وظنوها غنيمة كبرى، ففرضوا على السلطة، على صعيد المشروعات، خيارات وعناونين محددة، لهم مصالحهم فيها ومعها.  ويصح أن تكون هذه النقطة، في هذه العجالة، مدخلاً الى مستهل حكاية توليد الكهرباء لغزة، التي حضرت فيها بشكل مجحف وغليظ، شركة المقاولين المتحدين سي سي سي لصاحبها الراحل سعيد خوري، وهو ــ للإنصاف ــ غير ذي رغبة في إجحاف، وإنما كان الإجحاف محصلة ضغوط ووصايا المسؤولين والمتنفذين الفاسدين، ومنهم من كانت لأبنائه مشروعات باطن مع سي سي، سي ومنهم من وظفوا أبناءهم وأصفيائهم في المكاتب الإقليمية للشركة، ومنهم من استحوذوا على الأسهم وضمنوا الأرباح، حتى وإن لم تقدم شركة التوليد تياراً كهربائياً للناس!

في هذا السياق، ينبغي التنبيه، الى أن موضوع كهرباء غزة، توليداً للطاقة أو توزيعاً للتيار، ينبغي أن يُفتح ويجري التحقيق فيه، حتى لو كانت غزة مضاءة وتنعم بالكهرباء دون انقطاع، وهذا موضوع سيطرقه الوطنيون الغيورون، في مؤسسة الرقابة والتشريع،  عندما تستعيد فلسطين كيانها الديموقراطي ومؤسساتها الدستورية، بعد انطواء مرحلة السلطات القهرية في الضفة وغرة.

حَضَرت سي سي سي، لكي  تكون القيمة على مشروع الكهرباء، وفي ذهنها مواويل الذين أصروا عليها. ولأنها بالنسبة للمتنفذين، إحدى قنوات العبور الى الإثراء الحرام، إذ يجري التستر بتلك الشركة الناجحة والعملاقة التي يمتلكها فلسطيني من صفد؛ فلم يكتفوا بالكهرباء، وإنما عملوا على أن تنال سي سي سي، عقد امتياز الكشف والتنقيب واستخراج الغاز الموجود في بحر غزة، واستثمار الحقلين الكبيرين الأوسط والشمالي، على الرغم من كون  سي سي سي، شركة مقاولات تنفذ مشروعات إنشائية هندسية، وليست ذات اختصاص في توليد الطاقة الكهربائية وتوزيعها، ولا في اكتشاف واستثمار حقول غاز!

فقد أصر فريق المَغنم، على تحميل هذه الشركة، مشروع الكهرباء، وعلى اعطائها امتياز كشف واستثمار الغاز. وكان الأول بشروط مرهقة للموازنة وبكلفة انتاج عالية، لأن لهم ولأولادهم مصلحة في الصفقة التي يمكن تمريرها، بمساعدة بعد من تقلدوا مسؤوليات عن قطاع الطاقة، وقد حدث ذلك على النحو الذي يعلم تفصيلاته المتابعون .

في ذلك الخضم المُزري، وجدت شركة سعيد خوري نفسها، مضطرة للاستعانة بشركة "بريتيش غاز" وشراء شركة "إنرون" الأمريكية التي أفلست بسبب أعمال التدليس والفساد.

من تلك الدائرة، وبمفاسد الإدارة الفاقدة للاعتبارات الوطنية، انطلقت عملية ابتلاء السلطة والموازنة، بمشروع كهرباء، ذي سياقات مشوهة، معزولاً عن مسار السياسة وعلاقات التعاون مع أقطار صديقة، لن تتأخر عن تلبية حاجتنا لمثل هذا المشروع ذي الأهمية القصوى لحياة البشر، اجتماعياً واقتصادياً.

غداً نأتي بإذن الله على ذكر المُهم، من التفصيلات المتعلقة بمحطة التوليد التي ولدت مشوهة!