مستهل الحديث عن الكهرباء


آخر تحديث: January 8, 2017, 12:54 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

كان طبيعياً، في ظل لا مبالاة الطبقة السياسية الفلسطينية، ومع تركيز أشخاصها على الترف الفردي، وانشغالهم بالحسابات الصغيرة؛ أن تستمر لسنوات طويلة، محنة قطاع غزة بانقطاع الكهرباء، على النحو الذي لن يحتمله إخوتنا الصوماليون. ومن المفارقات، أن الثرثرات السياسية ومطولات التنظير ومزاعم الوطنية والمنجزات والجهاديات؛ استمرت كلها، طوال السنوات العجاف، علماً بأن الأمم التي واجهت واقع التخلف ومهام النهوض، لم تكن ترى أية قيمة لكل أنواع الرغي المُنمّق، دونما عمل مفيد يلمسه الناس، وترتفع به مستويات حياتهم، ويصبح جزءاً من تاريخهم الحضاري، الذي يبرز فيه مهندسون ومخترعون وعمال متفانون!

قبل مائة سنة، عندما لم يكن هناك عند الإشتراكيين في روسيا أهم من التظيرات والسجالات الفكرية، صرخ فلاديمير لينين في وجوه رفاقه، منذ اليوم الأول لوصول الشيوعيين الى السلطة: "إن الماركسية تعني الآن كهربة عموم روسيا". أي دعوكم من الثرثرة واذهبوا الى العمل، عند مساقط المياه، لكي تضعوا التوربينات أي العنفات الدوارة لاستيلاد الكهرباء. أيامها، وفي ظروف ذلك البلد الشاسع، لم تكن روسيا تنتظر الإغاثة من أحد، ولما أُعدت الخطة الخمسية الأولى، للانتعاش والتنمية الوطنية، التي اقتدت بها حكومات شعوب أخرى بعدئذ في التاريخ المعاصرٍ؛ سُميت تلك الخطة "غويلرو" وهي الأحرف الأولى من كلمات "لجنة الدولة لكهربة روسيا". معنى ذلك أن أساس التنمية قبل مائة سنة، هو أن يكون الكهرباء للجميع!

لن نستطرد في كلام بالغ الجدية، يضع النقاط على حروف الخيبة التي خابتها الطبقة السياسية الفلسطينية، في موضوع الكهرباء في بلادنا بشكل عام، وكهرباء غزة بشكل خاص. صحيح إن في غزة مأساة انقطاع وحرمان من الطاقة الكهربائية، لكن الصحيح أيضاً، أن هناك حكاية أخرى، أو شِقاً فاضحاً، من الخيبة، في كهرباء الضفة، سواء بخنق شركة كهرباء القدس، أو الارتهان لكهرباء الاحتلال، أو العجز عن التفكير ــ محض تفكير وتشغيل  للمخيلة ــ لعملية تنموية تتعلق بقطاع كهرباء فلسطينية، نفاخر بإنجازاتنا فيها، مثلما يفاخر عباس اليوم بمشاركتنا في عرب آيدول، أو ــ إن تحدثنا بجدية ــ مثلما كان رجال فلسطينيون، مثل روحي الخطيب وإبراهيم بكر وعبد المحسن أبو ميزر والياس البندك وغيرهم، يفاخرون في الخمسينيات، بتعريب شركة كهرباء القدس وبالاستحواذ عليها لصالح الشعب.

في هذه العجالة، ولكي يتلقى راكبو المرسيدسات الحديثة، على حساب الشعب، درساً في نُبل الكفاح من أجل الإنارة وتوفير الكهرباء للمواطن الفلسطيني، ابتداءً من زهرة المدائن ومحيطها، ليقرأوا ما فعله مواطن يوناني يدعى مفروماتيس، في مثل هذا اليوم (8 يناير) العام 1914 أي قبل مائة وثلاثة أعوام، عندما حصل من السلطات العثمانية على امتياز توليد الكهرباء وتوزيعها في القدس وضواحيها، في دائرة مركزها كنيسة القيامة ونصف قطرها عشرون كيلو متراً. وفي الحقيقة، ليست اسبقية اليوناني، وغيرته على حياة الفلسطينيين في القدس، هي كل مأثرته. فبعد الاحتلال البريطاني، واستحواذ جيش الاحتلال على منشآت المشروع، توطئة لتسليمه لليهودي غوتنبرغ، هب المواطن اليوناني الى محكمة العدل الدولية، ووقفت معه بلاده فاستعاد عن طريق محكمة العدل الدولية، مشروع التوليد ومضى به، وظل ينتج الكهرباء، حتى انتهت حياته وانتهى أمد الامتياز، لتتسلمه في العهد الأردني، شخصيات فلسطينية حافظت عليه وتوسعت فيه وجعلته شركة مساهمة يتاح للمواطنين امتلاك أسهم منها.

في عهد الحكواتية راكبي المرسيدسات الحديثة من خبز الشعب، اختنقت شركة كهرباء القدس، وأصبحت تتسول خبزها من خدمات توزيع الكهرباء الإسرائيلية، وتئن من تراكم الديون عليها!

أما كهرباء غزة، فإن لها حكاية من الخيبة البليغة، سنأتي على ذكرها، دونما تفصيل في الحديث عن أبطالها من ذوي العمولات، ومن فاقدي الإحساس بالعلاقة بين السياسة والمجتمع أو بين السياسة وحياة الناس اليومية، ومن جُباة الفواتير، وأدعياء الفرقانات، أو يتعلق بذوي عجائب أخرى!