كلام المصالحة بنكهة الخصومة


آخر تحديث: January 6, 2017, 1:14 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

كثيرة هي المقاربات والتصريحات واللقاءات المتعلقة بالمصالحة الوطنية. وعميقة هي خيبة الأمل الشعبية الفلسطينية، من هؤلاء الذين دأبوا على تطيير البشائر الكاذبة، بينما واقع الأمر وحقيقته، هو أنهم يسعون الى تثبيت الزمن بكل عذاباته، وإبقاء الحال الفلسطينية متجلطة، لا تتحرك، ولا تتقدم في أي اتجاه ولأي أفق!

لعله نوع من التوافق غير المعلن، بين حكم عباس وعناصر حمساوية قيادية ليست أياديها في النار، ولا تتعذب. لذلك فقد ظلت كل المسالك الى وحدة الصف الوطني، مسدودة بكراهية عباس للمصالحة وللناس، وبافتتان عناصر قيادية من حماس، بورقة السيطرة على غزة، واللعب بها، موصولة بورقة "الإخوان" في الإقليم. وهاتان مصيبتان، معطوفتان على كراهية طرفي احباط المصالحة، وفزعهما الشديد من فكرة إنفاذ الإرادة الشعبية، ومجافاتهما الشديدة للضوابط القانونية والدستورية!

عزام الأحمد، بائع الكلام وقابض المصروفات والأدوار وأحد حراس الزمن الفتحاوي الرديء، يكرر بعد لقائه مشعل وهنية، العبارات نفسها التي أسمعها للناس على مر سنوات، بغية الضحك على الذقون، وهو لا يريد أن يقتنع أن الشعب قرف من هذه العبارات التي يراد منها تخدير المظلومين المعذبين، وإبقاء الحال نفسها!

لقد أدرك الناس منذ سنوات، أن المسافر الدائم، يقول كلاماً بلا معنى، تزيده قبحاً ضحكته على الشاشات. بل إن البعض في الأوساط الشعبية الفلسطينية، يرى ما يُدلي به الرجل، ليس إلا نوعاً من الكلام بنكهة الخصومة، وهدفه إبقاء الحال على ما هو عليه، باعتباره سبوبة، لعزام ولغيره ممن يشاركون في معمل انتاج الثرثرات، وهم جميعاً بلا تفويض، وباتوا يتطيرون من فكرة إجراء انتخابات والتمكين للإرادة الشعبية!

عجيب أمر هؤلاء. فقبل أيام قليلة، وردت عبارة في حديث أدلى به د. موسى أبو مرزوق، أغلب الظن أنها جاءت في سياق السخرية أو الاستفهام الإنكاري. اللافت الدال، وذو المغزى، أن عزام الأحمد، الذي يقابل القيادي الحمساوي نفسه، في اتصالات ما يسمى المصالحة؛ هو الذي تولى باسم المعسكر العباسي، تسجيل ردة الفعل التخوينية الفاقعة في تأثيمها، ذلك علماً بأن الرجلين، دائما الاتصال والالتقاء، وكان يُفترض أن يتريث المسافر الضاحك، وأن يهجم سواه حتى ولو كان ما نُقل على لسان أبي مرزوق صحيحاً. لكن المشهد  الملعوب، على خشبة المسرح، الذي يؤدي فيه الممثلون رواية المصالحة، لم يتسع فضاؤه لدقيقة من الصدق، يستفسر فيها الأحمد من أبي مرزوق عن حقيقة ما أدلى به. فكيف يكون الطرفان بصدد نقل الرواية من خشبة المسرح الى واقع الحياة؟!

ما يهمنا التذكير به في هذا المُقام، على الصعيد النظري المتعلق بشروط قيام الكيانات السياسية، هو أن العناصر التي يقوم عليها النظام الوطني الفلسطيني، الذي يكون حكما نزيهاً بين الناس، ويتاح للشعب في ظله، أن يختار ويفوض من يمثلونه ومن يحملون ملفات قضيته وملفات همومه، لا يناسب الطرفين اللذين يمسكان بالقرار في الحركتين.

أما على الصعيد السياسي والأمني، فإن المعجزات التي تحدثت عنها الأساطير، لن تزحزح قناعة عباس بقدسية التنسيق الأمني، أو قناعة حماس بنجاسته. فكيف سيلتقي الطرفان وعلى أية أرضية؟!

الجواب: إن القوى الوطنية، بمن التزموا الموقف الجذري، وبمن حادوا عنه، ثم اكتشفوا أن التسوية فشلت ولا فائدة من المفاوضات مع العدو، هي الجديرة بأن تذهب الى مصالحة، تتوخى أولا مصالح الناس، والتقاط الأنفاس، ومراكمة عناصر الدولة وتقاليدها الدستورية، وإنهاض الوعي باللحظة التاريخية وبمخاطرها. فالمجتمعات التي تئن والمثخنة بالجراح، لا يمكنها أن تقاوم ولا حتى أن تستجمع لنفسها عقلاً سياسياً!