في ذكرى القائد "أبو المنذر"


آخر تحديث: January 5, 2017, 2:06 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

مرت أمس الذكرى الثالثة والعشرين، لرحيل القائد الوطني، وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، صبحي أبو كرش "أبو المنذر" الذي ينبغي أن نتأمل تجربته، لكي نأخذ العبرة، ونستذكر المناقب التي يفتقدها من يتصدرون الآن، حركة فتح والسلطة. فالراحلون كانوا من أهل العطاء، أما اللاحقون فقد بدت سمات معظهم، بلا مغرم يغرمون، والى كل مغنم يذهبون، ويتبدى للعيان، بذخ حياتهم وسفرهم ومساكنهم وسياراتهم، في تناسب عكسي فاضح، مع لغتهم السياسية والتعبوية، التي فقدت القدرة حتى على المواء، اعتراضاً على مفسدة، أو للحث على مقاومة أو لتخليق غضب شعبي.

هو واحد من رواد فتح، الذين بدأوا العمل، قبل خمس سنوات من انطلاقة حركتهم، كعاصفة كفاح مسلح. وهو أيضاً واحدٌ من اليافعين الحالمين من جيل القادة المؤسسين الأطهار، الذين تفتحت مداركهم على مأساة النكبة وتطلعوا الى آفاق الثورة. فقد ولد أبو المنذر، في حي الشجاعية، في صيف العام 1936 في ذورة أحداث الثورة الكبرى في فلسطين، وما أن شب على الطوق، وأتم الثامنة عشر من العمر، حتى سافر الى السعودية، ليعمل مدرساً بتأهيله الثانوي. أيامها كانت المحن ومصاعب الفاقة، تجعل الشبان الصغار يتحملون مسؤوليات جسيمة، بنفوس راضية. ومع تأسيس تنظيم فتح في العام 1959، كان أبو المنذر من كادر الحركة في عملها السري في منطقة الدمام، والتحق بعدئذٍ بجامعة الرياض لكي يرفع مستوى تأهيله الدراسي، وحصل على بكالوريوس المحاسبة في العام 1964 فانتقل للعمل محاسباً في وزارة الزراعة السعودية. وبعد أن حلت هزيمة 1967 وكانت الثورة على موعد مع دورها القتالي لمواجهة غرور العدو، ولرفع الروح القتالية العربية في الإقليم، التحق أبو المنذر بفتح، متفرغاً في الساحات، وشغل الكثير من المسؤوليات التي تتطلب رجالاً يتمتعون بصفات الأمانة القصوى والشفافية والشجاعة والإيثار!

إننا، ومن خلال هذه الشاشة، ومنذ الأسبوع الأول للسنة الجديدة، قد عقدنا العزم على أن نستذكر تباعاً، مناقب الراحلين الذين قدموا حياتهم وطووا مشروعاتهم الخاصة وتخلوا عن حساباتهم الصغيرة، لكي يصنعو حركة وطنية وازنة، وثورة ذات ديمومة، وجعلوا أرواحهم على أكفهم،  وقضوا كراماً فقراء الى الله، أغنياء في نفوسهم، ومآثرهم وعطائهم!

في مرحلة الكفاح المسلح، ترأس أبو المنذر إدارة قيادة عمليات الداخل في قطاع غزة، واجتذب الكثير من الشباب الذين اقتدوا به وآمنوا بأن القائد الذي أعدهم للمقاومة، قد وطد العزم على اللحاق بهم الى الأرض المحتلة، وأنه يراكم العناصر والسلاح، قبل الانتقال الى هناك، وأنه لن يخذلهم ولن يتشاغل عنهم وسيظل يتابع تفصيلات حياتهم. فمن مناخاته انطلق الشهيد المقاوم ماهر البورنو، وانطلق رفيق السالمي، وفي الداخل، التحق الشباب أفواجاً في شبكات القادة الميدانيين كرفيق وماهر وسواهما.

أما في حياة حركة فتح، فقد انتخب أبو المنذر في المؤتمر العام الرابع في مايو 1980  عضواً في المجلس الثوري. وفي المؤتمر العام الخامس في أغسطس 1989 كان الرجل في موضع إجماع، قبل انعقاد المؤتمر، على انتخابه عضوا في اللجنة المركزية بأعلى الأصوات، بحكم حُسن سيرته وفاعلية عمله واحترام الجميع له. وكان محمود عباس قد رسب في المؤتمر العام الخامس، ذلك الرسوب الذي انقذه بعده الزعيم ياسر عرفات، مراعاة لآخرين ولحسابات إقليمية، فأضافه الى ذيل القائمة، وهذا هو أحد الأسباب التي جعلت عباس، يتعمد إغراق هذه الحركة بالهوان والعجز وانكتام الصوت!

كان أبو المنذر صديقاً حميماً لرفيق النتشة، الذي يترأس اليوم الهئية التي تكافح أية مقاربة لتخليق مكافحة حقيقية للفساد. وفي منتصف الثمانينات أرتضى أبو المنذر، أن يكون نائباً لصديقه النتشة، الذي يشغل موقع سفير فلسطين، وسرعان ما اكتشف أبو المنذر الفساد والتحويلات المالية الغامضة، من إقليم كان مصدر تمويل للحركة. فاصطدم الرجل برفيق النتشة، ثم دخل الرجلان الى المؤتمر العام الخامس، ليسقط النتشة ويفوز أبو المنذر في أحد المراكز الأولى، فيعود الى الرياض سفيراً وعضواً في اللجنة المركزية. إن تفصيلات هذه الحكاية، تعد واحدة من فصول تجربة الراحل الكبير!

في أيام القامات العالية، كان لكل من القادة في الصف الأول، كلمته التي تنطلق كالرصاصة، نقداً أو اعتراضاً، وكان أبو عمار الشامخ، يتحمل، فيجمع ولا يُفرق. فلطالما اعترض أبو المنذر وصرخ، دون أن ينقطع حبل الوداد مع "الختيار". لقد كانت أياماً ينبغي استذكارها واستذكار رجالها.

رحم الله أبا المنذر وأدام عِزه في عليين!