عبثية التفاوض في حال التردي


آخر تحديث: January 4, 2017, 1:56 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

 يبدو أن الآخرين، ومنهم المساندون التقليديون  لدولة الاحتلال، قد سبقونا في الإعلان عن موت حل الدولتين، وإن كان أسلوبهم في النعي، يؤكد على وجود محض الخطر الحقيقي، وليس الموت.  وفي هذا الخضم، بدا الذين يتحدثون على "حل الدولة الواحدة" كمن يضيّع وقتاً أو يقول أي شيء لكي لا  يكف عن الحديث في السياسة, ذلك لأن ما يسمى حل الدولة الواحدة، على استحالته، يُذّكر المحتلين بالأسوأ، وقد دأب البعض الفلسطيني على طرح هذا الحل كبديل، ظناً منه أن هذه المقاربة ربما تجعل المحتلين يتمسكون بحل الدولتين.  فمن حيث المبدأ، يصح في السياسة، تخليق البدائل، لتنبيه الطرف المعتدي، الى مآلات وتداعيات أفاعيله.

وعلى الرغم من قوة الدفع الصهيونية، في اتجاه شطب صيغتي الحل وجعلهما مستحيلتين؛ إلا أن أوساطاً أكاديمية إسرائيلية، تنبه من تداعيات الغرور اليميني ومن مخاطر الانسداد. ففي الكثير من المحاضرت والندوات التي أقيمت في الولايات المتحدة،   ركز متحدثون من المعسكر الصهيوني على أن  سد الآفاق أمام حل الدولتين، مع بقاء الحال على ما هو عليه من شأنه أن يذهب بإسرائيل الى أحد خيارين: إما أن تكون دولة ديموقراطية، تضمن لساكنها حقوقاً سياسية متساوية، فتصبح فيها أقلية يهودية وهذا لا ترضاه الصهيونية، أو أن تكون دولة غير ديموقراطية، تضم قومية مضطهدة، لا حقوق سياسية لها، وهذا لن يرضاه العالم، مثلما لم يرض العالم عن نظام الفصل العتصري في جنوب إفريقيا!

العتاة من هؤلاء اجترحوا صيغاً انبثقت عن ذهنية عنصرية وعدوانية، من بينها أن يتعايش الاستيطان اليهودي في الضفة، مع شكل جغرافي لدولة فلسطينية، أشبه ببؤر لمهاجع نوم السكان الفلسطينيين، الذين ينشدون حقوقهم السياسية من دولتهم المصغّرة، القائمة في نطاق الهيمنة الاستراتيجية الإسرائيلية. ووفق صيغة هذا التعايش الذي يريدون أن يظل قائماً في بلادنا، يؤطر النطاق الجغرافي للكتل الاستيطانية الثلاث الكبرى "معاليه أدوميم" و"غوش عتصيون" و"أريئيل" التي تضم الآن 230 ألف مستوطن. ولكي يتحاشى العدو، مأزق انهيار العملية السلمية،  ولكي تبقى الأراضي الفلسطينية بسكانها، محتلة، دونما جلاء المحتل ودون دولة فلسطينية مستقلة، بينما يستمر  الزحف الاستيطاني؛  فإنهم يتحدثون عن إخلاء اضطراري لمستوطنات صغرى، يُسترضى قاطنوها بمُغريات شتى، مع انسحاب أحادي يلتزم خط الجدار وحدود الكتل الاستيطانية، ويترك للشعب الفلسطيني في الضفة، مساحة يعلن منها عن وجود دولته بشروط الاحتلال وقيوده!

اليوم، ونحن في بداية العام الجديد، وحيال الإشارات الصادرة من السلطة ومن مرجعيات دولية لاستئناف المفاوضات، بدا على نحو جلي أن لا فائدة من المفاوضات، طالما لا قدرة للحركة الوطنية الفلسطينية على خوض غمار المقاومة بالوسائل المتاحة، وعدم قدرة النظام السياسي الفلسطيني على اكتساب ثقة وإعجاب اي طرف دولي. وليس أدل على مأزقنا الراهن، مما خلصت اليه باحثة أمريكية متخصصة، هي فرجينا تيلي من جامعة جورج تاون، وهو أن الآراء التي تقول بإمكانية إزالة مستوطنات في سياق مناسب، مثل توفير ضمانات أمنية لإسرائيل؛ قد تجاهلت أهداف الاستيطان أصلاً. فالمستوطنات كانت دوماً، بالنسبة لمن خططوا لها وحثوا عليها، مرتبطة باستراتيجية الضم الدائم، ويرون أن أية إزالة لبعضها أو تغيير في بنيتها، هو بمثابة تهديد لوجود الدولة اليهودية، لذا لا يمكن لأية حكومة إسرائيلية أن تفكر فيه". وتحسم فيرجينيا تيلي، الأمر قائلة ما معناه، أن تغيير بنية الاستيطان في الضفة، تخالف المنهج الإسرائيلي، وهذا شبه مستحيل سياسياً. فلا أمل يُرجى من مفاوضات يخوضها الفلسطينيون فيما هم متفرقون ولا نصاب لنظامهم السياسي!