خط سير الكتابة الفلسطينية


آخر تحديث: January 3, 2017, 10:29 am


أحوال البلاد

بعد بكائيات النكبة , ظهرت أواخر العقد الخامس / أوائل العقد السادس من القرن الماضي , ثقافة وطنية فلسطينية رائدة , أخذت على عاتقها , الرد على السياسة الإسرائيلية بتبديد الهوية الفلسطينية , وإخماد روح المقاومة , فكان أن ظهر شعر المقاومة , في مناطق ال 48 , ليبشر بالثورة التي ظهرت في عام 65 / 67 , أي انه حين افتقرت الساحة الفلسطينية للقيادة الوطنية / السياسية , ملأت الثقافة الفراغ , وتحملت المسؤولية على أكمل وجه , وفي أبهى صورة .

لكن صورة الفدائي الذي ظهر حاملا بندقيته , سرعان ما ملأت العقل والوجدان , لدرجة أن يتغنى الشعر ذاته بها , وهو الذي كان يحلم بها , فيكتب محمود درويش , أقرأ بإسم الفدائي الذي خلقا من جزمة أفقا , ويقول شاعر آخر : لعلع الرصاص فأخرس أيها القلم , وحين يتداعي الكتاب والصحفيون في أول اجتماع عام لهم ليؤسسوا الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين , نراهم يرفعون الشعار : بالدم نكتب لفلسطين .

تواضع المثقف الفلسطيني منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي , وانحنى أجلالا واحتراما للقيادة السياسية الوطنية , وقبل أن يكون في الميدان وراءها , انسجاما مع حقيقة أن القيادة في نهاية الأمر إنما هي للسياسي !

يمكن القول أذا بأن الثقافة المنتجة من قبل النخبة , كانت ذات طابع وطني عام , مبشر بالثورة وباعثا للهوية , قبل أن يظهر الكفاح المسلح , لكنها تحولت بعد بضعة أعوام إلى ثقافة ثورية , تتحدد سماتها ومعالمها وفقا للسمات العامة التي تكون عليها القيادة السياسية في اللحظة المحددة .

وكانت أول مقدمات هذه الحالة , نتيجة انتخابات المؤتمر الأول للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين , حين هزمت قائمة " أبو سلمى " عبد الكريم الكرمي , ومعه معين بسيسو ومحمود درويش , في حين فازت قائمة ناجي علوش , الذي لم يكن عام 72 أكثر من كادر فتحاوي , مناضل , بالكاد يكتب دراسات نظرية ذات طابع تنظيمي !

ورغم أن الاتحاد ظل جامعا وطنيا للكتاب والصحفيين الفلسطينيين المنتمين لفصائل الثورة المسلحة , إلا انه اقتصر عليهم أولا , أي على الكتاب من بين الفدائيين , لدرجة أن الهيئات الإدارية للاتحاد كانت تتوزع " ككوتة " بين الفصائل , على قاعدة أن النصف + 1 لفتح , والنصف _ 1 لبقية الفصائل . وثانيا انه لم يضم في صفوفه لا كتاب الداخل بشقيه : ال48 والضفة والقطاع , الذين كانت لهم اتحاداتهم , ولا فلسطيني الأردن , الذي انضووا ضمن رابطة الكتاب الأردنيين .

الأسوأ من هذا كله , انه بديلا عن المثقف التبشيري الرائد الذي ظهر مطلع خمسينيات القرن الماضي , بدأ يتكرس شيئا فشيئا مثقف الفصيل وحتى ثقافة الفصيل , ولم تبهت وحسب صورة الثقافة الوطنية , بل وأيضا تراجعت الثقافة النقدية , التي تحرض على الواقع بهدف تغييره , فظهرت ثقافة التغني بأمجاد الثورة القائمة .

وبعد أن كان درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم يحرضون على بعث الهوية , وبعد أن كان هناك شعراء المقاومة , ظهر شاعر المقاومة , الذي يسجل فصول الثورة المعاصرة من تل الزعتر إلى حصار بيروت , إلى تسجيل الاعتراض الثقافي على أوسلو : لماذا تركت الحصان وحيدا !

لو لم تكن الثقافة قد تخلت عن دورها كمبشر ورائد وقائد للعمل الوطني لصالح السياسي / الوطني , لربما ما كان بمقدور فتح وحماس أن تصلا إلى حد تقسيم الوطن , وان تعجزا طوال عشر سنوات عن وضع حد للانقسام !

ولربما كنا وجدنا الآن بديلا عن خيار حل الدولتين بعد أن أغلقت إسرائيل الأبواب دونه , ولكنا _ ربما _ قد وجدنا في جبهة الثقافة ملاذا , يجد فيه الشعب الفلسطيني ضالته باستمرار الكفاح , وامتلاك زمام المبادرة .

منذ أوسلو , وخلال عقديه الماضيين , ظهرت ثقافة دولة فلسطين , في أحسن الأحوال , وحتى يقنع مثقف لم يعثر على ذاته , نفسه بأنه ليس في جيب السياسي , ظل يردد رفضه للتطبيع الثقافي , كما هو حال المثقف العربي , مع أن المطلوب هو الاشتباك مع الثقافة الإسرائيلية وفتح جبهة الثقافة ومقارعة العدو في تلك الجبهة , وليس فقط رفض التطبيع !

أسوأ فصول الثقافة الفلسطينية , الآن , الثقافة الرسمية , التي تحرص على أن تتسم بسمات التكنوقراط ولفظ " تهمة الكفاح الوطني " عن ذاتها , ولا تعجز فقط عن قيادة الفعل الثقافي بشكل فعال وحسب , بل وتفتقر إلى إستراتيجية ثقافية / كفاحية , فهي ملتزمة بإطار أوسلو , وتكرس بالتالي ثقافة الحكم الذاتي , ولا تقوم بفعل قصدي ومخطط بتوحيد الثقافة الفلسطينية المشتتة بين داخل وخارج , فضلا عن الحث على إنتاج ثقافة نقدية ترسم صورة المستقبل الأفضل , لذا فانه من الصعب جدا الارتكان إلى ما هو قائم على الصعيد الرسمي , ليس في المستوى السياسي وحسب , بل وفي المستوى الثقافي , ويمكننا أن نقول بهذه المناسبة وبالفم الملآن , بان ألف مؤتمر فصائلي لن يضع حدا للترهل السياسي القائم , لكن بشائر ثقافة جديدة توحد الفلسطينيين ثقافيا أولا , يمكنها أن تعيد الأمل وتفتح نوافذ مستقبل مختلف لشعبنا , يعيد له الاعتبار بما يليق به من صورة , مستقبل تبشر به الثقافة مجددا , من خارج إطار السياسة والثقافة الرسميتين في آن معا .  

( رجب الطيب )

رجب أبو سرية