كابوتشي والغياب في فجر الذكرى


آخر تحديث: January 1, 2017, 7:30 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدلي صادق

من حلب الى القدس الى روما، وما بينها من المشاوير، ظل مطران الروم الكاثوليك، وابن حلب السورية الشهباء، المفعم نُبلاً، هيلاريون كابوتشي، وفياً لحركة النضال الفلسطيني، ومناضلاً ملتزماً، وصوتاً صافياً جريئاً قوياً، يصرخ في البَرّية، مبشراً بفجر فلسطين، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، في فجر يوم الذكرى الثانية والخمسين لانطلاقة العاصفة!

هو واحد ممن يشهدون على أيامنا ومشاوير كفاحنا الوطني، ويقدمون العبرة على روعة اللُحمة الوطنية والقومية. انتمى الرجل لحركة فتح، عندما كان مكلفاً بالمسؤولية الروحية عن الروم الكاثوليك في مدينة القدس، مبتعثاً من القاصد الرسولي بابا الفاتيكان. وبحكم موقع عمله، أسهم في فعاليات الكفاح المسلح، ولم يتردد في نقل السلاح بسيارته التي أتيح لها أن تنتقل من سوريا الى فلسطين عبر لبنان. كان العمل النضالي الفلسطيني أيامها، ينبثق عن روح واحدة، قبل أن تغشاها خفافيش الظلام من دواعش وميليشيات أصولية ذات رايات من كل صوب. وليت كابوتشي الفتحاوي، اكتفى بالتماهي مع فتح العربية الفلسطينية لكي يؤدي الدور الذي ارتضاه لنفسه. فقد  تعمد تأمين نفسه، وتكثيف الشرح لعدالة القضية الفلسطينية داخل أروقة الكنيسة وفي الصلوات، واجتذب وضا ودعم ومساندة مطران كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك، في القدس وسائر المشرق، مكسيموس الخامس حكيم. لقد وقف ذلك المطران، يدافع بشجاعة عن حق هيلاريون كابوتشي، في حمل السلاح الى الفدائيين الفلسطينيين قائلاً: لقد حمل المطران السلاح في سيارته، لإيمانه بأنه يؤدي واجباً. فما الخطأ في ذلك؟ فإن عدنا الى التاريخ، نجد أن الكثير من المطارنة، هرّبوا السلاح وعرّضوا حياتهم للخطر ومنهم من أعدموا، لإيمانهم بأن واجبهم يحتم عليهم دعم اليهود وحمايتهم ومساندة المقاومة أيام الاحتلال النازي. بالتالي ـــ والكلام هنا لبطريرك القدس وسائر المشرق ــ لماذا يُدان العمل الذي أداه كابوتشي من منطلق الشعور بواجب الإسهام في حماية إخوته العرب الفلسطينيين. لقد احتلت إسرائيل القدس بالقوة الغاشمة، وخالفت قرارات الأمم المتحدة"!

كانت مآثر الكفاح والحضور الوازن للمناضلين، في تلك الايام، تسمح كلها بنثر هذه الروح المشبعة بالحب والعدالة ومشاعر الانتصار لقضايا المظلومين.

في أغسطس 1974 كانت سيارة كابوتشي، محملة، للمرة الثانية، بالوسائل القتالية. ولوحظ ثقل حركة السيارة، وهي قادمة من لبنان، فتتبعها أمن الاحتلال، واقتادها الى مركز شرطة المسكوبية في القدس لتفتيشها وتفكيكها. ولما عثر على طرود متفجرات وصواعق وأربعة رشاشات ومسدسين، وجد أمن العدو، أيضاً، رسالة مسؤول عمليات فتح الموجهة الى الشباب. حُكم على المطران بالسجن إثني عشر عاماً، أمضى منها أربعة، وخرج ليواصل عمله في كل ميادين السياسة ومن فوق كل المنابر!

لم يتخل عن مهامه الإنسانية أيضاً، إذ تطوع للتفاوض مع الإيرانيين في قضية رهائن السفارة الأمريكية في العام 1980 ونجح لينزع فتيل التوتر. وقف معارضاً بشده لغزو العراق، وظل على دأبه نصيراً للنضال الفلسطيني، وناشطاً للدفاع عن غزة ضد العدوان والحصار، وأمسك به المحتلون مرة أخرى أثناء توجهه على متن سفينة لبنانية،  لكسر الحصار عن غزة في العام 2009، وكان في العام 2010 على متن سفينة "مرمرة" التركية التي هاجمها المحتلون.

كان الفلسطينيون قد كرّموا المطران كابوتشي أثناء اعتقاله، ببذل العديد من المحاولات لإطلاق سراحة من خلال عمليات احتجاز رهان واختطاف طائرة إسرائيلية في ذات مرة، وقد أسهم ذلك في تسهيل مهمة الفاتيكان التي توسطت لإطلاق سراحه. أما الدول والشعوب العربية، فقد كرمته بالأوسمة واعتبرته رمزاً مقدراً من رموز النضال الوطني والقومي والإنساني.

كل الأسف لرحيل المطران كابوتشي، وسلام عليه بامتداد رحلة العمر، من حلب الشهباء، الى القدس، الى روما، وعلى امتداد كل المشاوير، حتى أسلم الروح في يوم الذكرى!

طوبى له، ككل المطرودين من أجل البِر، الذين لهم ملكوت السموات. ففي الصلاة الجنائزية، يحق للمُسَجّى كابوتشي، أن يسمع القراءة الإنجلية: طوبى لكم إن عيّروكم وقالوا لكم قولاً نُكُراً... فهكذا فعلوا بالإنبياء من قبلكم!