ثقافة الغيتو وثقافة المخيم !


آخر تحديث: December 29, 2016, 1:20 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

ربما كان لقلة عدد اليهود أولا , ولبعثرتهم في العالم ثانيا , سبب مباشر , فيما تميزوا به من عزلة وتقوقع عن الآخرين , حتى أنهم كانوا يقطنون في أحياء خاصة بهم , في المدن والدول التي يعيشون فيها , ذلك أنهم لم يشكلوا قومية خاصة بهم , ولا حتى رابطة اجتماعية أو سياسية , حتى نهاية القرن التاسع عشر حين ظهرت الصهيونية , وبدأت في جمع أشتات اليهود ومحاولة جمعهم في بوتقة قومية واحدة !

مع مرور الوقت تحولت حالة العزلة التي ميزت اليهود , إلى ثقافة خاصة بهم , بعد أن ظهر ما سمي بالغيتو , وهو عبارة عن  منطقة أو مكان محدد , يعيش فيه طوعا أو كرها , مجموعة من الناس تعتبرهم الأغلبية التي يقطنون بينها , بقايا عرق أو دين , حيث تعود التسمية للإشارة إلى حي اليهود في المدينة , مثل الغيتو في مركز مدينة روما , أو ما كان يطلق عليه " حارة اليهود " في الدول العربية .

لأول مرة تم إنشاء الغيتوات أو حارات اليهود في بولندا بعد حزيران 1941 في الأراضي السوفييتية المحتلة , بغرض عزل السكان اليهود ونهب ممتلكاتهم واستغلالهم في العمل القسري _ حسب ويكيبيديا _

ثم انتشرت بعد ذلك الغيتوات في أوروبا , خاصة في المدن الألمانية , التي كانت عبارة عن معازل , تحيط بها الأسوار الشائكة , التي كانت تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة , إضافة إلى العزلة عن العالم الخارجي , حيث يتم التعامل مع سكانها كما لو كانوا حيوانات !

هذا ما تقوله ويكيبيديا , أما ما تقوله موسوعة الهولوكوست نفسها , فيعود أصل اسم الغيتو إلى  اسم الحي اليهودي في البندقية الذي أقيم عام 1516 , أي قبل 500 سنة من الآن , ومن ثم أمر الإمبراطور شارل الخامس بتأسيس الأحياء اليهودية في فرانكفورت , روما , وبراغ .

تقول الموسوعة بان الألمان أسسوا خلال الحرب العالمية الثانية  ألف غيتو في بولندا المحتلة والإتحاد السوفياتي , وقد نظر الألمان إلى أقامة الغيتو على انه إجراء وقائي لفصل اليهود عنصريا ووضعهم تحت الرقابة .

في تفصيل أكثر , هناك ثلاثة أنواع من الغيتو : المغلق , والمفتوح , وغيتو التدمير .

وكان _ للدلالة على سوء المعاملة _  كان غيتو  وار صوفيا يضم نحو 400 ألف يهودي محشورين في مساحة 1,3 ميل , أو نحو 2 كيلو متر مربع !

صحيح أن فرض الغيتو على اليهود في الحرب العالمية الثانية جاء قسريا , ألا أن نزعة العزلة متأصلة فيهم منذ ما قبل 500 سنة , بالإشارة إلى " تاجر البندقية " لوليام شكسبير .

مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية , كان إعلان إقامة " دولة إسرائيل " لتتم ممارسة ما يمكن وصفه ب "ثقافة الإنسان المقهور " من قبل اليهود الإسرائيليين تجاه المواطنين الفلسطينيين , حيث قامت عصابات الهاجاناة , شتيرن , ارجون _ اتسل , بعقد المجازر بحق الفلسطينيين لتهجيرهم من قراهم ومدنهم وطردهم من أرضهم لإقامة " دولة إسرائيل " حيث تشرد فعلا أكثر من نصف الشعب الفلسطيني إلى دول الجوار .

قامت الأمم المتحدة , وهي المنظمة العالمية التي أنشئت في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية , بإغاثة الفلسطينيين المنكوبين باحتلال أرضهم وطردهم من وطنهم من خلال إقامة عشرات " المخيمات " لإيوائهم وإغاثتهم " والتي انتشرت في كل من قطاع غزة والضفة الغربية , الأردن , لبنان وسوريا .

حيث لم تختلف ظروف الحياة كثيرا في تلك المخيمات عن " الغيتوات " , من حيث الاكتظاظ السكاني , وتدني الخدمات , كذلك العزلة , حيث في لبنان _ مثلا , تم منع الفلسطينيين من الاندماج في المجتمع اللبناني , خاصة في مجالات العمل , وتقيد حركة السفر والتنقل , فيما منح الفلسطينيون " وثائق " خاصة بهم لتميزهم عن مواطني البلاد التي صاروا يعيشون فيها .

الفارق أن الشعب الفلسطيني كان حتى النكبة عام 1948 يرى نفسه جزءا من العالم العربي , كذلك جزءا من مجتمع أسلامي كبير , ولم يعش يوما حالة من العزلة , فهو شعب وإن كان يعيش في وطن خاص به , إلا انه جزء من قومية كبيرة هي القومية العربية وجزء من عقيدة يؤمن بها نحو ربع سكان الكرة الأرضية , لذا فان ثقافة المخيم اختلفت كثيرا عن ثقافة الغيتو , فلم تسد _ مثلا _ ثقافة كراهية أو التوجس من الآخر , بل سادت ثقافة التعاضد الاجتماعي حين وجد أبناء القرى أنفسهم يعيشون معا في المخيم , ثم ظهرت ثقافة المقاومة .

من نشأ على ثقافة المقاومة , فاوض الجانب الإسرائيلي في مدريد / واشنطن , وفي أوسلو , فيما من كان اقل تأثرا بثقافة الغيتو كان على الجانب الآخر , لكن بعد " فشل أوسلو " في التوصل لحل نهائي , وفي وضع حد للصراع يقوم على أساس الاعتراف ومن ثم الثقة بالآخر والتعايش معه , تراجع الإسرائيليون , لأن السلام " يحررهم " من ارث ثقافة الغيتو , ويخرجهم من حارة اليهود " إسرائيل " , لذا فإنهم قد وصلوا أخيرا إلى آخر المطاف بإعلان هدفهم بإقامة دولة يهودية وليس دولة ديمقراطية , دولة بدلا من أن تتحرر وتحرر مواطنيها من عقدة الماضي , نراها ترضخ هي  لتلك العقدة  وتواصل  السير على طريقها !