دحلان في الميدان


آخر تحديث: December 25, 2016, 4:57 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

يبدو اتهام الأخ محمد دحلان النائب عن حركة فتح في المجلس التشريعي الفلسطيني الثاني , من قبل محكمة رفيق النتشة بالاختلاس , مثل اتهام نبي يدعو إلى التوحيد بالكفر , ليس ذلك لأن دحلان رجل منزه عن الخطأ , ولا لأنه شخصية عامة لا تنتقد , بل لأن القرار " القضائي " بالخصوص كان على درجة من الغباء ليتهم الرجل في نقطة قوته , فالدنيا كلها تعلم بأن الرجل _ اللهم لا حسد _ ثري , ومصدر ثرائه لا علاقة له بالمال الفلسطيني العام , فهو يقوم بإدارة شبكة أعمال خاصة به , منذ أن استقال من الوظيفة العامة , وأعماله كلها خارج حدود فلسطين , بل هو _ وعلى طريقة الراحل , الذي يبدو انه معجب للغاية به , ياسر عرفات _ يجلب المال من الخارج , ويضع معظمه بين يدي الشعب الفلسطيني , إن كان على شكل مساعدات للفقراء , زيجات جماعية للشباب أو قروض وحتى منح دراسية لطلاب الجامعات .

لا يقوى " القرار القضائي " الذي ووجه برفض واستنكار شعبي وفصائلي فلسطيني , على أن ينفي دوافعه السياسية , ولهذا السبب كان يمكن لمن أوعز باتخاذ القرار _ نقصد رأس السلطة التنفيذية _ أن يوجه تهمة ما للسيد دحلان , تمس التزامه الفتحاوي مثلا أو أن يوجه له نقدا سياسيا ما , لكن ولأنه سبق له وان اتخذ قراره بفصله من الحركة , فلم يعد لديه ما يفعله بعد ذلك .

سبق وان اتخذ رئيس حركة فتح قرارا بفصل عضو مركزية فتح بعد المؤتمر السادس , من الحركة , لكن ذلك لم يمنع من كان فتحاويا ولا يأخذ إذنا بممارسة فتحاويته من احد , كما انه لا يتعامل مع الحركة كما لو كانت ملكا شخصيا لأحد , من أن يظل فتحاويا , بل وان يتبعه آلاف الفتحاويين في كل مكان يتواجد فيه الفلسطينيون , في حين أن " رئيس حركة فتح " يدعو ليل نهار ومنذ سنوات للمقاومة السلمية ضد الجدار , ولا يستجيب له احد .

بدلا من التخمين والتهويش والاتهامات , التي تجيء على قاعدة المثل الذي يقول " اللي فيه كار بيفكر كل الناس متله " , أو المثل الذي يقول " ما لقي عيب في الورد , قال له يا أحمر الخدين " , آخر ما يمكن اتهام دحلان به هو انه بحاجة للمال , كذلك , فان اتهامه بفتحاويته , ما هو إلا اتهام باطل ولا أساس له , بل على العكس من ذلك تماما , طالما أخذنا عليه _ نحن المستقلين عن تنظيمات يسارية _ أن مشروعه السياسي لم يخرج قيد أنملة عن فتح , وظل فتحاويا داخليا , وطالما طالبناه بان يقدم ملامح أو إطارا عاما لمشروع وطني , هذا على اعتبار أن الوقت قد حان ومنذ زمن طويل لمراجعة ليس الأداء الفصائلي , وليس مؤسسات ومجمل الهيكل التنظيمي الشائخ لمنظمة التحرير الفلسطينية وحسب , بل وكذلك برنامجها أو ميثاقها الوطني _ كما يعرف , والذي تمت صياغته قبل أكثر من نصف قرن .

بقيت الحالة الدحلانية حالة فتحاوية بامتياز , وظل الرجل وأنصاره يقاتلون داخل فتح لإصلاحها , ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه منها , حيث لم تتعظ الحركة بالمجمل من محطة العام 2006 / 2007 , وكان يمكن أن يتم أصلاحها وإعادة بنائها التنظيمي على أساس كفاحي , بعد خسارتها الانتخابية أمام حماس عام 2006, وبعد هزيمتها العسكرية من قبل حماس أيضا عام 2007 , وقد حدث ذلك لأسباب عديدة , لا مجال هنا والآن لسردها , ولكن فقط بالإشارة إلى احدها , والمتمثل بان الحركة قد تضخمت وقد تسلل إلى صفوفها منذ عام 1994 وحتى عام 2006 الآلاف من " الأرزقية " الذين وجدوا فيها ضالتهم للوصول إلى مناصب السلطة وامتيازاتها , إضافة لمن عاد من " متقاعدي ومترهلي الحركة والثورة " الذين مارسوا أسوأ أشكال البذخ , ونسوا أن الحركة ما زالت حركة تحرر وأمامها الكثير من الكفاح .

كان يمكن إعادة تنظيم فتح في غزة , على أساس كفاحي , مهمته إسقاط الانقسام , والاستمرار بالحركة كحركة تحرر تواجه الاحتلال في الضفة الغربية , وكان يمكن أن يقوم الثنائي _ مروان البرغوثي في الضفة ومحمد دحلان في غزة_ بهذه المهمة المزدوجة على أكمل وجه , فليس هناك من هو أكثر من محمد دحلان قدرة أو جدارة بمقارعة حماس في غزة , وليس هناك من هو أجدر من مروان البرغوثي في مقارعة الاحتلال بالضفة , لكن الأمر يبدو عند الإسرائيليين ومن يستجيب لهم , وان كان على طريقة " اللبيب بالإشارة يفهم " , كان غير أو بالضبط عكس ذلك .

إسرائيل تعتقل البرغوثي منذ عام 2002 وليس هناك من يطالب بإطلاق سراحه , بل هناك من استمر بالتفاوض مع الإسرائيليين , ولم يضع إطلاق سراح القائد الأسير شرطا لأي جولة تفاوضية , وهكذا بقي دحلان وحده في الميدان , لذا فحيث أن إسرائيل تكفلت بالبرغوثي , فقد تكفلت " رئاسة فتح _ رئاسة السلطة " بدحلان !

ما كان يمكن _ كما أشرنا لاتهام دحلان في فتحاويته أو وطنيته أن يجدي نفعا , لذا فقد تم استخدام القضاء لتلفيق تهمة غريبة , كما لو كان الرجل بحاجة إلى حفنة من الدولارات , ولأن الأمر كاريكاتوري , ولا يمكن أن يتمخض عنه شيء يذكر , فهو مثل " الزبد " الذي يذهب هباء , بل إن القرار افقد السلطة القضائية ما تبقى لها من هيبة ووقار , بحيث لن يحترمها احد لا داخل فلسطين ولا خارجها , وكان الهدف هو " ملاحقة " أنصار التيار الإصلاحي في فتح , الذين شملت قياداتهم ورموزهم من النواب قرارات ما سمي برفع الحصانة البرلمانية , وذلك بتهم جنائية , حتى لا يقال بان " حركة فتح " باتت تلاحق عناصرها وأعضاءها من المناضلين بعد أن تولت أجهزة امن السلطة ملاحقة المناضلين من غير فتح , وبتهم جنائية أو بالقول بأنهم خارجون على القانون , في حين أن الحقيقة هي أن الدافع لذلك كان الخصومة السياسية , لا أكثر ولا أقل , بل وحتى الشخصية , والهدف هو محاصرة كل قدرة وطنية على الاستمرار في المشروع الوطني , بعد " حبس المقاومة في غزة " , بات الهدف هو " تفتيت " فتح في الضفة وتحويلها من حركة تحرر إلى حزب حاكم , ليس له من مهمة سوى " تصدير الكوادر " لبث الحياة في أجهزة امن السلطة لمتابعة التنسيق الأمني  مع إسرائيل .